الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

لأنه لا مقاومة بلا إعلام مقاوم

#الفساد_الإعلامي

لا بد من إعادة النظر

بإعلاميي “بالروح بالدم…”

وتكريس إعلام على مستوى محور المقاومة.

============

كتب: مالك حلاوي.

============

 

لا يختلف اثنان أن القضية الأكثر سخونة اليوم في الوسط الإعلامي هي قضية من هو صامد فيما يُسمى بمحور المقاومة أو الممانعة، ومن بدأ بالبحث عن مَخرج له من هذا المحور؟

فقضية إعادة التمحوّر هي اليوم في أوج تصاعدها لعدة أسباب، في مقدمها (بعيدًا عن الأوضاع الاقتصاديَّة) التغييرات الحاصلة في المنطقة من تراجع كبير في الأولويات الوطنيَّة والقوميَّة، حيث باتت القضية الفلسطينيَّة في آخر اهتمامات الغالبية القصوى من دول وممالك وسلطنات الشرق الأوسط، ليحلَّ محلَّها أفكار: الحياد، حب الحياة، وأخيرًا التطبيع، والأخير خرج من تحت الطاولة إلى العلن للمرة الأولى بهذه الطريقة المباشرة، متجاوزًا حدود “التطبيع” على الطريقة المصريَّة، والذي تابعناه منذ أيام أنور السادات حتى اليوم، وشعر الجميع معه أن مفاعيله تساوي أقل بكثير من ثمن الحبر الذي وُقِّع فيه، في حين ما يجري اليوم تحت عنوان “تطبيع” بات أقرب إلى حدود الحلف العسكري أو الأمني من جهة ومن جهة أخرى الحلف الاقتصادي أو التجاري، وصولًا إلى إعلان الحلف الاستخباري- العسكري المباشر (وهو حلف قائم في السر بين إسرائيل ودول خليجية منذ سنوات وقد أثمر اغتيالات وجرائم بحق مقاومين على امتداد المنطقة)  في حين يجري تجسيده اليوم علانية بوجه العدو الواحد، (برأي أطراف التطبيع) وهو العدو الفارسي أو الإيراني…  وهنا ندخل في بيت القصيد.

إن التغييرات الحاصلة في بعض المواقف الإعلامية لأسماء سبق أن اعتبرها الناس من طلائع “الإعلام المقاوم”، والتي لطالما كانت مَلَكِيَّة أكثر من الملِك، وأيَّدت محور المقاومة بالسياسة كما بالأمن وحتى بالعمل الاجتماعي، وإن طغى على هذا العمل (الاجتماعي) الكثير من الثغرات لا بل الأخطاء… فهؤلاء برأيي الخاص كانوا أبواقًا لزمنٍ ما ولغاية ما، ولما انتهى الزمن وانتفت الغاية عادوا إلى قواعدهم بانتظار التمحوُّر الجديد الذي يلبي تلك الغاية نفسها، والتي يظنون أنها لم تعد متاحة لهم في هذا الزمن.

ففي حال قمنا بركن الوسيلتين الإعلاميتين المنتميتين علانية للمقاومة عندنا جانبًا (المنار والميادين) باعتبارهما باتتا مستثنَيَتَين من قائمة المُتلقي المحايد والباحث عن رأي موضوعي في وسيلة غير فاقعة بلونها (مع أو ضد)، نجد أنفسنا اليوم أمام إعلامٍ وإعلاميين يتنقلون بين الشاشات الأخرى ويطرحون آراءً من نوع “الكليشيهات”، التي سئمنا من تكرار وجوهها في كل المناسبات، ومن تكرار نفس المواقف لهم على اختلاف الأزمات، حيث يقومون بإسقاط مواقفهم المُعلَّبة هذه على كل جديدٍ من القضايا تحت شعار الدفاع عن خط المقاومة، وهو دفاع ما عاد يودي إلى أي نتيجة، طالما أن المُحاوِر من الطرف الآخر “متمترس” عند موقفه المعارض للمقاومة، وشعاره الدائم “عنزة ولو طارت”، في حين يبقى المُتلقي (المشاهد أو المستمع) الموضوعي وغير “المعلَّب” حائرًا ويبحث عن أجوبة مُقنِعة لا يمتلك مفاتيحها “فلان أو علتان” من الوجوه المكرَّرة. ولا أريد الدخول في التسميات التي لا تغيب يومًا عن الشاشات، بينما المشاهد يبحث عن البديل الذي يعطيه كلامًا جديدًا مُفيدًا ومبنيًّا على معطيات وحقائق ثابتة، وهو كلام ما عاد يجده على الألسنة التي ملَّها لدورانها في نفس الحلقة المُفرغة من الأجوبة، أجوبة لا تخرج عن طابع “بالروح بالدم نفديكِ يا مقاومة” كردٍ على الطرف الآخر رافع شعار “بالروح بالدم نفديكَ يا زعيم” أو ربما “بالروح بالدم نعاديكِ يا مقاومة”، وهذا الشعار الأخير بات معلومًا أنه رائج أكثر باعتباره مدفوع الثمن، والكل يلاحظ أننا نعيش وسط خطابٍ يزج اسم المقاومة ومسؤولية الحزب حتى بنسبة تساقط المطر بين منطقة وأخرى….

إن إعلامًا بدأ منذ السابع عشر من تشرين 2019 برفع شعار “الثورة” ومحاربة الفساد، بات اليوم تحت مجهر الفساد الأكبر، وبات المُدان الأكبر بحماية الفساد والمفسدين، ما يستوجب علينا وعلى “الثورة” إن وجدت، إدارة البوصلة نحو #الفساد_الإعلامي أولًا، والذي فاحت رائحته من مؤسسات إعلامية (هي الأبرز في لبنان)، وبعضها تخلَّى عن موضوعيته وقام بإعادة “تموضع” لا يتردَّد بالقول إنه دُفع إليها بحكم الظروف الاقتصادية وها هو اليوم قد باشر بقصف المقاومة بأبشع الأسلحة على ألسنةٍ فتح لها مؤسسته على مصراعيها، بحيث باتت هذه المؤسسة تنتسب جهارًا في تموضعها الجديد عند خط الفساد والإفساد (مدفوع الثمن) الذي أورثته لإعلامييها والعاملين فيها…

أمام هذا الواقع لا بد من المواجهة بوسائل إعلامية بديلة على قدر التحدي القائم وعدم الاكتفاء بالوسائل الإعلامية المنتمية، والتي لا يتابعها أهل الرأي الآخر، باعتبارها “معادية”، لا بل هي غالبًا محذوفة من شبكة القنوات المفضَّلة التي يقوم هؤلاء بترتيبها على قائمة خياراتهم من القنوات المحليّة، باعتبارها تُصيبه بالصداع (والكلمة سمعتها من كثيرين).

صحيح أننا اليوم نعيش زمن كل مواطن إعلامي وصاحب مؤسسة إعلامية ربما، هذا عدا عن إتاحة مايكروفون الإذاعة أو التلفزيون في الشارع أو الأستوديو لكلِّ من “هبَّ ودب”، أضف لكل ذلك كم البوستات والتغريدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة (من الفايسبوك والتويتر وغيرها) وصولًا إلى المواقع الإلكترونية التي باتت مُتاحة للجميع وأكثر من “الهمِّ على القلب”…! كلها باتت منابر مفتوحة بإمكانها إشعال البلد بإشاعة، وهذا الانتشار الواسع لها ما عادت تلجمه ألسنة وأقلام ممجوجة تضع على صدرها “شعارًا مُقاومًا” ولا تجيد تسويق الفكر البنَّاء إلا على طريقتها “الشعاراتية-الاستعراضيَّة”، بينما ما لا يعرفه كثيرون أن هناك في الظل يوجد إعلام أو أقلام تتجاوز هؤلاء دراية ومعرفة وحكمة، ولن أقول إخلاصًا لخط المقاومة، كانت وما تزال تتعاطى مع المحور المقاوم بما ينسجم مع قناعاتها هي، ومع عقيدتها هي، والتي لا تجد نفسها إلا ضمن هكذا محور تؤيِّده حيث يجب، وتعارضه حيث يجب، لمزيدٍ من الانخراط في مشروعٍ يلبي طموحات الناس، لا لمجرد التصفيق والهتاف مع التعامي عن الثغرات.

أنا اليوم ومن هذا السياق أجد من واجب “محور المقاومة” البحث عن منابر جديدة أولًا، ومن ثَمَّ عن  أصوات جديدة وأفكار جديدة لا تعرض أفكارها ومواقعها ومنابرها للبيع والارتزاق، بل تكون مع محور المقاومة حتى النخاع، لا لشيء إلا لأنها لا تجد خلاصها وخلاص مجتمعاتها وأوطانها إلا مع هذا المحور المتنامي في المنطقة، نعم أقول هذا المحور المتنامي شعبيًّا، وإن ظن البعض أن “محور العمالة والتطبيع” هو الراجح، فهذا بفعل قيادات مشبوهة وحُكَّام مشبوهين كانوا قد عُيِّنوا لهذه المرحلة وهذه الغاية. والباحث برأيي لن يجد صعوبة في لبنان على سبيل المثال بالوصول إلى إعلاميين يعملون بصمت، لكنهم أثبتوا وقوفهم مع المقاومة العسكرية لقناعتهم بأنه ليس فيها حتى تاريخه ما يعيبها، إن في مواجهتها للعدو الصهيوني (وتحقيق الانتصارَين الكبيرين في أيار 2000 وتموز 2006)  في لبنان، أو مواجهة العدو التكفيري في سوريا (والقضاء على الإرهاب الذي تكلَّل بانتصار فجر الجرود). كذلك داخليًّا  حيث من الواجب (لمن أدرك ما حصل) رفع القبعة لهذه المقاومة في تجربتها المحلِّية الرائدة بالرد على مؤامرة الخامس من أيار (وهي مؤامرة كبرى باعتراف صانعيها) بعملية استئصال دقيقة وناجعة في السابع من أيار، ما يحسم الجدل حول استعمال سلاح المقاومة في الداخل، باعتبار ما استُعمل يومها هو سلاح الوطنيين وبعض المقاوميين المحليين في الداخل ضد متآمرين من هذا الداخل وضدَّ سلاحهم، الذي لم يكن بأقل تأهبًا (بالعديد والعتاد) من السلاح الوطني المواجه لهم. والنتيجة كانت انتصارًا ووأدًا للفتنة بعزيمة الرجال لا العتاد، وبسلاح لا علاقة لسلاح المقاومة الاستراتيجي به لا من قريب ولا بعيد، ما يُسقط نظرية استعمال سلاح المقاومة بالداخل اللبناني إلى غير رجعة..

إن هزالة الإعلام المُقاوم والمراوحة في مكانه، يجب أن يُعاد النظر به ويُعاد بناؤه كي يسير بموازاة تنامي قوة المقاومة العسكرية في المنطقة، ولا بد أن يكون إعلامًا مُنسَّقًا على صعيد المنطقة، باعتباره من ضمن أساسيات الجبهة الموحَّدة  من اليمن إلى جنوب لبنان، لأن العدو واحد والمحور المقابل كشف أوراقه، كما أسلفت: من حيث التطبيع والتحالف مع العدو الأساس “إسرائيل”، واختار بديلًا عنها إيران كعدو للعروبة في الشرق الأوسط.

هناك الكثير من أهل الإعلام الحر برأيي مؤمنون بالدفاع عن هذا المحور، بغض النظر عن طوائفهم ومذاهبهم وعقائدهم ومنابرهم، ولا غاية لهم (بعكس من أسلفت بالإشارة لهم من جماعة بالروح بالدم…) لا غاية لهم إلا بناء مجتمعات حُرّة غير مرتهنة للخارج لعلمهم أن الإعلام هو من أهم أسلحة المقاومة في هذا الزمن، ولا مجال لنجاح أي مشروع مقاوم بلا إعلام حقيقي مقاوم يواجه الإعلام  المعادي (المرتزق) وفيه أقطاب باتوا مكشوفين بميولهم أو بارتهانهم وارتزاقهم، وبنفس الوقت لا بد من إعادة تقييم الإعلام المحسوب على المقاومة وهو بصيغته الحاليَّة إعلام ضعيف لا يقدِّم، لا بل يؤخِّر، في المسار المقاوم قياسًا للمشروع المتنامي لهذه المقاومة وهذا المحور..

Print Friendly, PDF & Email
Share