الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

في مئوية حكومة دياب:

 

مقدمة الكلمة ومغارة علي بابا

وحلُّ السين سين!

 

=============

كتب: مالك حلاوي.

=============

 

 

بعيدًا عن الآثار الفعلية التي سوف نتلمسها تباعًا في الأيام المقبلة، بناءً على كلمة دولة رئيس الحكومة حسَّان دياب حول إنجازات حكومته خلال المائة يوم الموعودة، فإن أهم ما في الكلمة برأيي كانت مقدمتها:

  • قبل مائة يوم، كانت السفينة تتقاذفها أمواج عاتية، والمياه تدخلها من ثقوب كثيرة وكبيرة: خزانات الوقود فارغة والمحركات عاجزة، أبواب غرفة إدارة الدفة مخلّعة، البوصلة معطلة، السفينة تغرق بسرعة قياسية، ومراكب الإنقاذ إما مفقودة أو غير صالحة.

مقدمة أعادتنا إلى واقع بلدنا كما كان منذ عقود مع مجموعة “عصابات الحكم” التي تولت دفة السفينة، هذا الواقع الذي يسعى البعض لتحميله لهذه الحكومة، التي تصرفت كما الفدائي الذي يتلقف قنبلة مفتوحة الزند ويعمل على انقاذ المحيط منها، واليوم يدَّعون أن عدم قدرة الممسك بالقنبلة على إلغاء مفاعيلها تعفيهم هم من مسؤولية رميها علينا، وتحمِّله وحده مسؤولية ما ستخلفه من أضرارٍ بشرية وغير بشرية…

مع هكذا تركيبة أجد أنه قد ثبت بالوجه الشرعي: أننا كنا نعيش لعقودٍ في بلد “الحاميها حراميها” حيث ان كلَّ المؤتمنين على أموالنا وأرواحنا وممتلكاتنا هم من اللصوص أو الموظفين عند كبار اللصوص…

تبدأ القصة من المؤتمنين على مصارفنا وفي مقدمهم مصرفنا المركزي…  ثبت أن هؤلاء هم  أكبر سارقي المال الشخصي والعام…  وبعيدًا عن كل ما خبره الناس في زمن الكورونا وما قبلها بقليل من تداعيات لإسقاط الليرة (القويِّة والمستقرة بخطابات الحاكم) بالضربة القاضيَّة أما “السنت الأمريكي” لا الدولار. بعيدًا عن ذلك أطلب من أي مودِع (كبار ومتوسطي وصغار المودعين) أن يحاول مراقبة حساباته بدقَّة ليرى كم من السرقات ارتُكبت بحقه.. أقول ذلك لمن يترك حساباته لـ”أمانة المصرف”، أما من يراقب فبإمكانه أن يستعيد القليل القليل من المسروقات المنظَّمة (نعم سرقات منظَّمة تحترفها المصارف) بعد جهد جهيد، ومن لا يراقب سيخسر الجزء الأكبر من وديعته تباعًا بعمليات سرقة تجري حينًا بحجة “سقط سهوًا”، وحينًا آخر بسرقات مدروسة ومُتقنة يمكن تبريرها عبر أحد بنود العقد الموّقَع بينك وبين المصرف، هذا العقد الذي لم تقم بقراءته، وكذلك نسبة 99 بالمائة من المودعين “المتعاقدين” وفيه ما فيه من التزامات ملتبسة تُلزمك وحدك ولا تُلزم المصرف إلا بالحدود الدنيا… والخسارة الأكبر تكون بحق أصحاب بطاقات “الفيزا-كارت” على أنواعها وهي بطاقات للسرقة اليومية وشرحها يطول، وكل المتعاملين بها لديهم آلاف الأمثلة على ما أقول.

ننتقل إلى القضاء عندنا، والقضاة هم أكثر المؤتمنين على حياتنا كأفراد وكمجتمعات،  ولم يعد يخفى على أحد مدى فقدان الثقة لكل الناس في لبنان بقضائهم، والذي يحكم بشريعة رب عمله لا بشريعة القانون،  ولكل قاضٍ “رب عمل” من هذه الطائفة أو ذاك المذهب أو الحزب أو الزعيم… قضاءٌ لا يتأثَّر بأحكام القانون بقدر ما يتأثَّر ببطاقة توصية تصله من أحد “أولياء نعمته” تمنح البراءة للمرتكب مهما كانت جريمته، والإدانة لخصمه غير المشمول برعاية روحِيَّة أو مدنيَّة مهما كانت براءته بيِّنة وغير ملتبسة على كتاب القانون، لا على مصالح الكاتب أو المستكتب!

وإلى هذين المؤتمنَين، يمكن لنا أن نضيف للقائمة المؤتمنين على التربية والتعليم، وعلى الصحة العامة، والمؤتمنين على الغذاء والدواء … أما المؤتمنون على صوتنا وتمثيلنا في الشأنين الخاص والعام، أو المؤتمنون على تطويع القوانين لمصلحتنا كشعب يُفترض أن يكون هو منبع السلطات كلّها، لا مصلحتهم الفردية أو مصلحة كتلهم وتحالفاتهم أو حتى ارتباطاتهم الخارجية وما أكثرها… هؤلاء الذين حصلوا على أمانتهم بقرارٍ منّا (أحمد الله شخصيًّا أنني لم أشارك بهذه الجريمة يومًا ولم أعطِ صوتي لأيٍّ منهم) فهؤلاء هم أصل البلاء وهم أهل المغارة والقابضون على بابها ومحرابها.. هؤلاء جعلوا البلد “مغارة علي بابا” وخوابي سرقاتهم، أكانت داخل المغارة أو خارجها، فمفتاحها-مفتاح المغارة  والخوابي صارت لها كلمات سرٍّ مختلفة باختلاف انتماءاتهم، ولم تعد عبارة “افتح يا سمسم” تُجدي في حال أردنا استعادة ما نسميه اليوم المال المنهوب، بل صار لدى كلِّ من اللصوص كلمة سرِّه الخاصة، حتى دون علم “علي بابا” نفسه…  والحل الوحيد مع هؤلاء ومع آخرين من أشباههم ممن شغلوا المغارة أو استفادوا من خوابيها، الحل الوحيد يكون باعتماد إحدى طريقتين ابتُكرتا أخيرًا من قبل “السين سين”…

ولأننا اعتدنا لعقود من الزمن على اعتماد “السين سين” هذه في حلول مشاكلنا، فلماذا لا نعود اليها الآن،  ونعتمد إما طريقة السين الأولى مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والتي قام بتطبيقها مع أمرائه وشيوخه والمنتفعين من خوابيه، ومن بينهم رئيس حكومتنا السابق الذي ينظّر اليوم وينظرون له بالعفة.. أو السين الأخرى وهي طريقة الرئيس السوري بشار الأسد، والتي طالت أقرب المقرَّبين له رامي مخلوف، ولم يكن بحاجة إلى سجنه داخل فندق على غرار “الريتز هوتيل” كي يستعيد منه الأموال، لأن الوطن كله ممسوكٌ بقبضة دولة، ولا مجال للفرار من العقاب وتهريب المال العام إذا قرَّرت “الدولة” أن تكم بمفهوم الدولة لا العصابة!

إحدى الطريقتين تكفي..، أو ربما من المستحسن اعتماد الطريقتين معًا في لبنان: طريقة بن سلمان للخوابي المحميَّة من هذه السين السعودية، وطريقة بشَّار للخوابي المحميَّة من السين الأخرى… ولا يخفى على أحدٍ في الخلاصة أن بلدنا ما تزال منقسمة بغالبتها بين السين والسين..

فإلى علاج “السين سين” دُر..  ربما نستعيد البلد ونُسقط شعار حاميها حراميها…

Print Friendly, PDF & Email
Share