الموقع الأول للدراما والموسيقى العربية

بعد الاعتراف بعقوبة المنشار

 

 في قانون العقوبات السعودي.

لا عتب على الإعلام العربي الصامت بل اللبناني…

 

============

كتب: #مالك حلاوي

============

تضجُّ وسائل الإعلام في شتَّى أنحاء العالم، شرقًا،غربًا، شمالًا وجنوبًا بأبشع جرائم القرن الحادي والعشرين (حتى تاريخه) ألا وهي الجريمة التي ارتكبها “سعوديون رسميون” في قنصلية بلادهم في تركيا بحق جمال خاشقجي أحد مواطنيهم الإعلاميين (والأقل مناهضة لسياستهم)، بينما نرى صمتًا إعلاميًّا عربيًّا (لولا قلّة قليلة ممن يؤمنون بأن الساكت عن الحقِّ شيطانٌ أخرس)…

جريمةٌ تكشّفت كلُّ تفاصيلها منذ الساعة الأولى لحصولها بعنوانها العريض “التقطيع بالمنشار الكهربائي”.. عنوانٌ أُصدقُكم القول إنني كاتب هذه السطور لم أتوقع ان يكون حقيقيًّا رُغم اقتناعي بفكرة قتله منذ اللحظة الأولى… لكن المملكة العربية السعودية تدرَّجت بكشف هذه التفاصيل وسط تواطؤٍ غربيٍّ تراوح بين التهويل والتلميح واستدراج العروض، والأخيرة هي الأكثر دقَّة.. ووسط إذعانٍ عربيٍّ اعتدناه ممن باتوا، ومنذ زمنٍ يعيشون على فُتاتِ المساعدات السعودية، بعدما أقفلت “مزاريب المساعدات الأميركية عنهم” بحكم تجييرها لأهل البيت الخليجي من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي جاء بمفاهيم سياسية جديدة للإدارة الأمريكية تضع الاقتصاد أولوية على حساب السياسة والأمن، خصوصًا بالنسبة للشرق الأوسط، فابتدع فكرة “الحماية” مقابل الدفع و”بقاء العروش” مقابل المزيد المزيد من الدفع.. أما بالنسبة لشراء الدول في المنطقة وكسب موالاتها وانخراطها في المشروع الأميركي (وطمأنة إسرائيل من قبلها) فالدفع لها يتم من جيوب “الأخوة العرب”، ومن هنا حصل الطلاق السعودي القطري، بعدما رفضت الأخيرة دفع ما يتوجب عليها لدولٍ تنخرط في المشروع السعودي وتعادي المشروع القطري في بعض الملفات المتعارضة (ومصر إحدى هذه الدول) ..

هذه الدول ما عاد بإمكانها الاستمرار دون الأمل بتلقِّي هبات “مملكة الخير”، أو على أمل الرضى السياسي عنهم للبقاء على كراسيهم بدعمٍ من “رُعاة الأسلمة” وعروبة الاعتدالِ اللاهثة وراء التطبيع مع العدو وتسليمِه راية قيادة “الشرق الأوسط الجديد” بوجه العدو الإيراني المُستحدث، وهو شرق أوسط فشلت أميركا ومعها “إسرائيل”، ومن خلال حروب متلاحقة وسياسات عقابية متلاحقة، بفرضِه على دولِ المنطقة، هذه الدول الباقية على “عروبتها الحقيقية” وقضيتِها المركزية فلسطين، وعلى “إسلامها الحقيقي” وقبلته القدس الشريف ومسجد الأقصى….! من هنا كان الإذعان للمملكة والوقوف معها (ظالمة أو مظلومة) حتى ولو لحق هذا الظلم بشعوبها وبقضاياه المصيرية وبالتنمية الاقتصادية السليمة لا بالوقوف والاستعطاء على أبواب “أهل الخير”.!

إن مجرد ما كشفته “المملكة” حتى اليوم كافٍ وحده بإسقاط عروشٍ أكبر بكثير من عرشِ “سلمان وابن سلمان” أما الآتي فيكفي لانهيار منظومة الخليج العربي كاملة (طالما هي متماهية لا بل خانعة لسياسة آل سعود)..

فالبداية كانت مجرد اعتراف بدخول جمال خاشقجي إلى القنصلية السعودية في تركيا، مع التأكيد على خروجه منها سليمًا معافىً، بشهادة شريطِ فيديو مفبرك لا يرقى إلى الفبركة الصبيانية.

بعدها كان الاعتراف بأنه دخل ولم يخرج ونقطة انتهى…. دون اعتراف بمقتله…

بعد ذلك جاءت رواية الوفاة الطبيعية بسبب شجار أودى بحياته… وتدرّج الشجار إلى كتم النفس فالاختناق فالموت (غير المتعمد) فإخفاء الجثة بمساعدة “متعاون” تركي… دون اي كلام عن أسلوب القتل “الإرهابي، الداعشي الوهابي”…

اليوم تكشف المملكة عبر ما تسميه “القضاء الشرعي” أن القتل حصل مع سابق تصوُّرٍ وتصميم، ولكن من قبل الجُناة المرسلين بأوامر عُليا لاقتياده عنوة إلى المملكة، فجاء فعل القتل مع تقطيع الجثة بالمنشار وتوزيع الأشلاء على حقائب متعددة من باب الاجتهاد الشخصي لـ”كتيبة الإعدام” المرسلة بكامل تجهيزاتها، ويبقى بيدها ورقة مكان هذه الأشلاء… هل أُذيبت بالمادة الحمضية أو دُفنت في غابات تركيا أو أو أو… لكن كل ذلك ما عاد له أي معنى…!

فطالما اعترفت المملكة بحادثة التقطيع ما عاد لكشف مكان الجثة أي أهمية، لأن الكشف كان يهدف لمعرفة طريقة القتل (متعمد أو غير متعمد) أهو قتلٌ عقابي قضائي بصيغة الإعدام، أو تقطيع بالمنشار انتقامًا وتشفيًّا وعلى أنغام الموسيقى التي يهواها القاتل السعودي المحترف.. فجاءت النتيجة الأخيرة لتكشف طبيعة هذا النوع من الحكَّام والمسؤولين والبشر… على أي فكرٍ ونهجٍ وعقيدة جرى تربيتهم وتدريبهم… من فكر “المُطاوع”: جلاد الرجال والنساء والأطفال في الشوارع، إلى فكر “السيَّاف” قاطع الرؤوس في الميادين العامة، إلى فكر “كتائب الإعدام” المتنقلة في العالم بحثًا عن معارضي الملوك والأمراء لاستدراجهم إلى بيت الطاعة، فإن تعذّر ذلك فإلى السفارات والقنصليات، وإن تعذّر فإلى قتلهم حيث هم هاربون من طغيان مملكتهم.. وفي الخلاصة هم بحكم القتلى طالما وصلت إليهم تلك “الكتائب”، في حين كان حظَّ الإعلامي جمال خاشقجي الأخطر والأكثر بشاعة وقساوة، لأنه ليس من المعارضة الفعلية للمملكة (وهو لطالما صرَّح بذلك) بل لأنه يحمل نصف أفكارهم الإرهابية (أقولها بأسف) فهو من أوائل المنخرطين بتبني فكر “الإسلام العنيف” الذي يُخيف الآخرين في مرحلته الثانية: الأولى هي مرحلة “الخلايا النائمة أو السُبات والتحضير”، أما الثانية فهي “مرحلة التوحش”، قبل  الوصول إلى الثالثة وهي “الانقضاض” واستقرار دولة خلافتهم الموعودة حسب ما يؤمن به جماعة “الإخوان المسلمين”، ولكن على طريقة القاعدة وبن لادن وليس “داعش”.. ولمن لا يعلم فإن خاشقجي كان الصديق الأقرب لبن لادن، وكلاهما من مؤسسي فكر القاعدة… وهو أي (الخاشقجي) بمجرد انتقاله من العباءة السعودية إلى العباءة القطرية، استحق (بالنسبة لبن سلمان وجماعته) التنكيل والتمثيل بجثته ليكون عبرة لمن يعتبر، لأن بن سلمان يرى شريحة سعودية كبيرة ذاهبة في هذا الاتجاه وينبغي وأدها قبل استفحالها…!

وعودٌ على بدء أقول:

إن “بن سلمان” سواء كان هو من أصدر الأوامر بالقتل أو بمجرد “الإحضار عنوة” بحقيبة واحدة أو عدة حقائب، فإن الصمت الإعلامي العربي المُخزي بحقه أو بحق مملكته أو طاقم عمله (والمُدانون جميعًا بتنفيذ الجريمة كانوا من هذا الطاقم) ليس مستغربًا، ولكل قطرٍ ما له من حاجات عند المملكة… لكن هنا في لبنان، وفي الذكرى السنوية لاعتقال رئيس حكومتنا وإجباره على الاستقالة كان لا بد من قلب الطاولة على “جماعة المملكة” وغالبيتهم عندنا إما من السياسيين، الذين أرهقونا بعبارات “السيادة والاستقلال”،  وإما من الإعلاميين الذي أشبعونا بنظريات “الحريات الإعلامية”.. لكنهم اليوم لم يدركوا بعد أن “جُبن” سعد الحريري، أو ربما “حكمته”، ولا أتبنى أي واحدة منهما، أنقذاه من مصير جمال خاشقجي لو هو رفض تلاوة بيان الاستقالة المكتوب بقلم أحد كَتَبة “مملكة الخير”، أو ربما بقلم كاتبٍ لبناني مجهول، أقول ربما، لأن الفكرة طرأت الآن في لحظتها بخاطري، ولا أدري لماذا أراها أكثر عقلانية لأن “محبي” سعد الحريري في لبنان يومها كانوا كُثرًا، ولا أستبعد تزويد أحدهم بكتاب الاستقالة من بيروت…!

سعد الحريري إذن لم يُقتل أو تُقطَّع جثته في “فندق الريتز” أو في منزله أو “بيته السعودي”، لكن كرامته جرى تقطيعها بمنشارٍ أعتى بكثير من منشار القنصلية التركية وآخر هذا “النشر” سُخرية محمد بن سلمان منه في المؤتمر الأخير ورد الحريري المُعيب: “بكامل حريتي”… ومع كرامة الحريري فإن كرامة كل لبناني شريف مُرِّغت بالتراب أو كادت، لولا حكمة ثلاثة لبنانيين كبار (الرئيس عون، دولة الرئيس بري وسماحة السيد نصرالله)، والتي تلقفها شخصٌ واحدٌ من بطانة الحريري (سواء أحببته أو لا) هو وزير الداخلية نهاد المشنوق، بعبارته الشهيرة “لسنا قطيع غنم”، نحن دولة انتخابات لا “مبايعة”، يوم بدأت المملكة التسويق لحليف أشرف ريفي بهاء الدين الحريري رئيسًا بديلًا للحكومة… ولن أُكمل هنا بل أقول: لعن الله الزمن الذي يُجبر زعيمًا (بحجم الحريري) على ابتلاع بحصةٍ (بحجم مصير وطن) لمجرد الخشية من غطاء،ٍ يظن أن لا بديل له عن هذا الغطاء المذهبي، كزعيم سني بكل أسف…!

في الخلاصة أُكرِّر لمن يُحب الخلاصات: أن لا عتب على دولٍ وممالك وجمهوريات وسلطنات سائرة إلى الخنوع فالتطبيع مع العدو، تحت راية “مملكة الخير بالجزرة حينًا والمنشار أحيانًا”. أو على إعلامٍ عربي بُنيَّ أساسًا بأموال “المملكة” ليكون على شاكلة “الوليد بن طلال وروتانا” أو الراحلَين: هند الفاسي وزوجها تركي بن عبد العزيز (ومواخيرهما في فنادق القاهرة)، وجاء اليوم الذي يتم فيه توظيف هذا الإعلام على شاكلة “العبرية الناطقة بالعربية” حفظًا لماء الوجه السعودي… لا عتب على كلِّ هؤلاء، إنما عتبي كلبناني على إعلامنا الذي لم يُدرك بعدُ أننا انتزعنا العنق اللبناني من تحت منشار المملكة قبل سنة، لكننا نعيده إلى أكثر من هذا المنشار اليوم من خلال استمرارِنا بتغطية جرائم “مملكة آل سعود” بحق مواطنيها ومنهم عدا خاشقجي، من ستُعدمهم ككبش فداء عن “بن سلمان” المتهم الأساس بالجريمة، بشهادة كل وسائل إعلام العالم، التي لطالما تباهى بها إعلاميو حلف الاعتدال اللبناني.. وبعضهم يمار ما هو أبشع من الصمت وأعني به تبرير الجريمة بشكلٍ أو بآخر، كما اعتاد على تبرير الجرائم المتلاحقة من اليمن إلى سوريا ففلسطين… إن تغاضينا عن جرائم هؤلاء وتبريرنا لهم سوف يضعنا جميعًأ تحت رحمة قانون العقوبات السعودي، والذي لطالما تساءلنا إن كان هناك لديهم من قانون أو دستور، قبل ان نكتشف أن “عقوبة المنشار” هي إحدى تجلِّيات قانون العقوبات لديهم، وربما العقوبة القصوى المستترة ستكون أعنف بكثير فهل يُدرك المعنيون ذلك؟!

Print Friendly, PDF & Email
Share