الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

فيلم “مورين القديسة المتنكرة”

حكاية قديسة من بلادنا

كتب وليد باريش

من كتابة واخراج طونى فرج الله وإنتاج “الأكاديمية اللبنانية للسينما” تدور أحداث الفيلم الدينى التاريخى اللبنانى”مورين القديسة المتنكرة” والعمل مستوحى عن قصة “القديسة مورين” التى عاشت حياتها فى العهد البيزنطى وتنكرت بشكل شاب وتابعت حياتها الكهنوتية على هذا الأساس حتى تاريخ وفاتها، وبالتالى هي حكاية فتاة عادية جدًا، لبنانية من قرية وادى قنوبين تحدَّت ذاتها ومجتمعها ونذرت نفسها لخدمة الله والكنيسة…  من بطولة: غسان مسعود، كارمن بصيص, منير معاصرى, تقلا شمعون, منير كسروانى, سمارة نهرا, حسام الصباح, حسن فرحات, اويس مخللاتى, جوزيف عبود, رينه غوش, ريمى نموش, علي سمورى, بسمة بيضون, آجيا أبو عسلى, والأطفال كلوى ناجى نهرا, ودانيال ابو شقرا.

و… بشكل عام فإن هذه الأنواع من الأفلام الدينية التاريخية التى تدور في أجواء إنسانية وروحية وتروي السير الذاتية يمكن أن تأتي مميزة واستثنائية في حال أتقن المخرج تجسيد الشخصيات عبر أبطاله، بحيث يمكن لهم معًا إعطاء الفيلم حيوية وصدقية, فالمخرج طونى فرج الله استطاع بكل براعة رفع درجة حيوية العمل وتقديم الوقائع التاريخية الموثَّقة، بحيث تلازمت فيها صاحبة السيرة (مورين) مع الأطر المرتبطة بها من المشهدية واللقطات، وذلك بكل التفاصيل الدقيقة التى سلطت الضوء على جوانب العصر، التى كانت تعيش فيه وشكل الحقبة المطلوبة، وذلك من خلال الحبكة المطلوبة والصورة النقية وتتابع الأحداث عبر عدسة كاميرا صافية وخالية من الشوائب واللقطات التى لا لزوم لها عبر “مونتاج” احترافى, ما جعلنا على مدى ىساعتين نعيش التجربة الروحية للقديسة ونتابع ملامح الأحداث المستجدة بواسطة مشاهد سينمائية صادقة، حيث جرى توظيف هذه السيرة الذاتية لخدمة الحقيقة ولتقديم دلالة إيجابية عن” القديسة مورين” وما قامت به من تضحيات فى سبيل دينها وكنيستها ورعيتها ومجتمعها ومحيطها.

اللافت للنظر في فيلم “مورين القديسة المتنكرة” الاستثمار الجيد لكثرة الشخصيات وتعدد خطوطه الدرامية وكثافة قضاياه, وهذه نقاط تسجَّل لصالحه ولصالح الإخراج والأداء المشغولَين بعناية فائقة، سيما وأنه لم يعتمد على البطولة المطلقة, فهو يتضمن عدة شخصيات تتحرك بالتوازن والتوازي نتيجة السيناريو المحكم.. فكل شخصية لها حضورها الخاص وسماتها المميزة وعالمها المستقل الذى يتداخل ويتشابك مع عوالم الآخرين ضمن مفردات لكل شخصية، فكان اختيار أبطال العمل موفقًا لمجموعة وجوه تعطي إنطباعًا بأنها عاشت حياتها في “وادي قنوبين” منذ800 سنة بكل تفاصيل الشخصيات: من تصميم الملابس ومواقع التصوير والبيوت والديكورات الطبيعية والمكياج والموسيقى التصويرية على نحو أبرز عميقًا الأبعاد المتعلقة بالأبطال.. من هذه الشخصيات: خورى الضيعة, الكهنة, الزوج, الزوجة, الابنة (من ذوات الاحتياجات الخاصة), الابنة الشريرة, الراهب العابث, الأب العائد من سجنه, الأولاد, فمن هذه الشخصيات المؤثرة يجدل الفيلم نسيجًا متناغمًا من الأحداث والعلاقات, فهو فى البداية لا يمجِّد ولا يرفع من قدر التضحية التى تقوم بها القديسة مورين، حيث تُنسب اليها قضية الاعتداء على الفتاة (ذات الاحتياجات الخاصة),  بصفتها الراهب مورينو، والتسبُّب بحمَلها والإنجاب منه فقط وذلك للتغطيةعلى صديقها الراهب العابث، بل يقدمها العمل بصورة عامة كضرورة وشرط من شروط استمرار حياتها وخدمتها في الكنيسة لمجتمعها, فالتضحية المرسومة بإتقان، التى قامت بها مورين ليست مثالية وهمية ومطلقة ولكنها واقعية وحقيقية.
المخرج والكاتب طونى فرج الله وفى فيلمه الروائى الاول الذى يحدد معالم القديسة مورين بدا كما لو انه صاحب تجربة طويلة يعرف تمامًا كيف يملأ مشاهده بالحيوية والصورة الناطقة ويحرِّك أبطاله بمهارة وحرفة، عبر تقطيع متوازن خلا من الأحداث الكبيرة الصادمة، فإعتمد على تتابع العلاقات الإنسانية ورصد الوقائع اليومية غير العادية.. وفي “بانوراما” أولية قدَّم لنا عالم قديسة من بلادنا بكل ما تحمل من علاقات ومواقف وتضحيات مثالية، داخل دراما سينمائية واستطاع من خلال أبطال العمل أن يحِّول الواقع الحالي في المجتمع الديني والكنسي والمجتمعي الى حالة عفوية وبسيطة وسهلة الفهم والإستيعاب.
وفي النهاية نعترف بأننا تابعنا فيلمًا روائيًّا مشِّوقًا يحمل رسائل واقعية ورفيعة المستوى لكل من يؤمن بالإنسان وحقه في الحياة.

Print Friendly, PDF & Email
Share