الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

2- كيف تحوَّل المثال لدى الشباب العربي إلى نجوم الفن و”البغاء”

إسقاط الوعي القومي العربي

وارتباطه بسقوط الإتحاد السوفييتي

وصولاً إلى “بعبع” الإرهاب الإسلامي.

كتب: أبو فراس سعيد

إن الإحاطةَ بكل أوجه الصراع القومي في العالم، ونهضة الشعوب في مواجهة الإمبريالية، منذ أواسط القرن العشرين وحتى وقتنا الحاضر، أمر لا يمكن معالجته في مقالة، ولذلك سنتطرق لكل وجهٍ من وجوه هذا الصراع، ولكل إقليم من أقاليمه في مقالةٍ مستقلة، وسنكتفي في هذه المقالة الأولى بإلقاء نظرة سريعة على الصراع في منطقتنا العربية دون أن نغفل عن ارتباط صراعنا مع الإمبريالية بصراع كل الشعوب الساعية للحرية والخلاص من قوى النهب والاستغلال المحلي المرتبطة والمتحالفة والعميلة (الكومبرادورية) للغرب الإمبريالي.

من هزيمة حزيران إلى سقوط الاتحاد السوفيتي

لقد أدرك الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الرأس المدبر والقوة العسكرية والرأسمالية الرئيسة للإمبريالية الحديثة، وأداة الصهيونية العالمية دون منازع، أن حماية مصالحها من تحالف القوى القومية في العالم، وخصوصاً في الوطن العربي، وتنمية قاعدتها المتقدمة المانعة للوحدة العربية، وهي الكيان الصهيوني، ينبغي أن تسير بالتوازي في خطوط ٍثلاثة:

الخط الأول: السعي لتيئيس الداخل عبر إيصال قوى عميلة لها أو متحالفة معها بصورة مباشرة، وبصورة غير مباشرة بالتالي مع إسرائيل إلى سدة السلطة لتكون أداة القضاء على قوى النهوض في المنطقة، ونشر فكر الاستسلام والخنوع، وقد نجحت في هذا إلى حد بعيد. فالأنظمة القائمة ترتبط بها بشكل عضوي، ومصالحها معادية لمصالح جماهيرها، وقد استطاعت أن تنجح وإلى حد ما في إقامة مؤسسات تعمل على نشر فكر الخنوع والاستسلام وخلق اهتمامات تافهة للأجيال الطالعة، وذلك عبر:

1-                إنتاج كتبة لا عمل لهم سوى الحديث عن السلام ومميزات السلام ونتائج السلام تستقبلهم قنوات تلفزيونية هجينة ويحاورهم مذيعون أغبياء، ويحاولون وضعهم على قدم المساواة في اللقاءات مع ممثلي قوى رفض الاستسلام، ورموز عهد النهوض الوطني والقومي.

2-                إقامة شبكات إعلامية لنشر فكر الاستسلام، من صحف ومجلات وقنوات تلفزيونية، تعمل على خلق اهتمامات تافهة لدى الشباب عبر إطلاق برامج تسعى لجعل القدوة والمثال هو المغني الذي يتراقص على المسرح وكأنه عاهرة محترفة، ويغني كلمات تدمر الأخلاق العامة والمثل والقيم، والمغنية، التي ليست أكثر من “بغي” تعرض لحمها للبيع والإيجار عبر الشاشات، ثم تحويل هؤلاء وأولئك إلى الشغل الشاغل للشباب عبر جعلهم الشغل الشاغل للمحطات التلفزيونية والمقابلات اليومية، وتكرار ذلك يومياً حتى يحفر عميقاً في الذاكرة وليصبح هؤلاء هم القدوة والمثال للشباب العربي وتصبح صورهم هي التي تغطي ملابس الشباب بدل رموز فترة النهوض الثوري (1958- 1970). إضافة لجعل هذه البرامج قومية تجتذب مشاركين من كل الوطن العربي لتعميم الفساد والإفساد. وتمويل هذه البرامج عبر شبكات إعلانية “كومبرادورية” تروج لمنتجات تعود أرباحها للشركات الصهيونية والإمبريالية، ليكون الربح مزدوجاً. ومن أهم هذه البرامج حالياً “ستار أكاديمي” و”آراب أيدول” وغيرها…

3-                محاربة اللغة العربية الحاضنة الأساس للثقافة العربية عبر نشر مواقع على الحاسوب ومذيعين ومذيعات لا هم لهم إلا استعمال اللغة المحكية وهي عامل تفريق وإبعاد للجيل الجديد عن جذور ثقافته، التي تحمل في داخلها الجذور الوحدوية، والوجدان القومي. ثم نشر كتب تعليمية لا علاقة لها بلغة القرآن ليصبح الجيل عاجزاً حتى عن قراءة كتابه المنزل وفك ارتباطه الديني القومي الوطني. وفوق هذا وذاك نشر سلسلة من المدارس والجامعات الغربية والمستغربة على مدى العالمين العربي والإسلامي (لاحظ عدد مدارس الشويفات وال آي سي وغيرها والجامعات الأمريكية والأمريكية – العربية في الدول العربية) لتنتج نخباً متغربة عن أمتها وقضايا أمتها ومرتبطة بالغرب وقيمه، وأدوات سهلة طيِّعة بيد الصهيونية العالمية. والرأسمالية والبرجوازية العربية تلقي بأبنائها في أحضان هذه المؤسسات بحجة مستوى التعليم العالي، ولكن حواراً بسيطاً مع أيٍّ من هؤلاء يريك ضحالة ثقافته وعجزه حتى في التعبير عن نفسه بلغته الأم.

4-                تمويل دور نشر تعمل على نشر الكتب الضحلة والمستوى الهابط، وفرض شروط الموافقة المسبقة على أي كتاب، لمنع الكتب الجديَّة من الانتشار وحصار الكتَّاب فإما أن يكتبوا ما يريده هؤلاء الناشرون أو تقطع لقمة عيشهم.

5-                أما على الصعيد الديني فتعميم برامج دينية تتحدث عن القشور والوعد والوعيد ولا صلة بإسلام العدالة وإسلام الإنسانية وإسلام العلم إلخ…. يقدمها مذيعون- دعاة تذكرك أشكالهم بنماذج الإرهاب وتنفر أي شاب من متابعة برامجهم. وفي نفس الوقت يغلقون الأبواب في وجه أي برنامج إسلامي نهضوي جاد، أو ما يُشتَّم منه رائحة الدعوة إلى النهضة الإسلامية. وسنتطرق لدراسة وتحليل هذه البرامج والرد عليها في مقالة مستقلة.

6-                وليتأكد ارتباط مجتمعاتنا بالغرب كان لا بد من نشر الفكر الاستهلاكي والقضاء على محاولة نهضة اقتصادية صناعية (لاحظ هنا الحملة الكبرى ضد إيران لأنها تعمل على إنشاء قاعدة صناعية كبرى)، وذلك عبر الإعلان المتواصل وخلق حاجات جديدة غير أساسية للناس، وإغراق الأسواق بالمنتجات الرخيصة. قد تكون هذه المنتجات ذات هوية شرقية صينية أو هندية أو ماليزية إلخ… لكن الرأسمال الذي ينتجها ويحقق منها العائدات الضخمة هو رأسمال أمريكي.

وعندما بدأ الرأسمال الوطني بالنشوء في هذه البلاد، عمد الغرب إلى محاولة امتصاصه إلى خزائنه ومصارفه عبر رفع أسعار المواد الأولية التي علينا أن نستوردها من البلاد الخاضعة للهيمنة الأمريكية، كما رفعت أسعار البترول والحديد لأن قيمة هذه السلع ستحوَّل بالدولار الأمريكي وإلى المصارف الأمريكية، بينما الدول المالكة لأموال النفط هذه عاجزة عن استعمالها وحتى عن نقلها إلى خزائنها، فهي تقبضها كأرقام في الحسابات فقط لكنها تُستخدم فعلياً لاستعبادها وقهر شعوبها وتصدَّر لها بجزءٍ من قيمتها من وقت إلى آخر كأسلحة ازدحمت بها مصانع السلاح عندها وصارت خارج الخدمة لديها، وفي نفس الوقت يتولى عسكريون أمريكيون الإشراف عليها لكي تُستعمل فقط في الصراع الداخلي أو ضد بلاد أخرى وشقيقة غالباً، فلا تُستعمل أبداً لا ضد أميركا أو الغرب عموماً ولا ضد إسرائيل.

كما رفعوا قيمة المواد الغذائية وبالأخص الحليب ومشتقاته، والقمح لامتصاص ما يتبقى من أموال. فانعكس هذا رفعاً لسعر الأرز ما خلق بالتالي صراعاً داخل الدول الفقيرة فيما بينها، وفيما بين هذه الدول التي كانت حليفها الطبيعي في المراحل السابقة، وصارت العدو الآن فيما اللص الأكبر القابع في واشنطن يدَّعي صداقة الجميع.

لاحظ ألوف المليارات المكدسة باسم السعودية والكويت وغيرها في البنوك الأمريكية بينما يستجدي السعوديون لقمة الخبز، ويموت مئات الألوف من المسلمين من الجوع في باكستان وأفغانستان وإفريقيا وغيرها، وتستجدي مصر حبة القمح من الولايات المتحدة، وطوابير الخبز في مدنها الكبرى تؤدي لسقوط القتلى، بينما أجهزة المخابرات في هذه الدول تلاحق الإنسان وتتنصت حتى على حديثه مع زوجته.

(بالمناسبة ولتسلية القارئ، ذكر لي أحد من استدعتهم أجهزة المخابرات هذه، أنهم كانوا يرصدون كل كلمة يقولها وذكروا له حتى قيمة فاتورة المطعم الذي تناول فيه غداءه في اليوم السابق، بينما لم يبصروا ولم يسمعوا شيئاً عن شبكات التجسس الإسرائيلية المنتشرة لديهم، كما ذكروا له أن أحد أصدقائه حشاش. ترى لماذا لم يقبضوا على الحشاش ليعرفوا من هو المروِّج؟ وأقول لعل ترويج المخدرات والتي يزداد انتشارها، من الأمور المرحَّب بها لديهم لأنها تبعد الشباب عن الاهتمام بالسياسة.)

الخط الثاني: إسقاط الاتحاد السوفيتي، الذي كان وانطلاقاً من فكره المعادي للإمبريالية الحليف الطبيعي لقوى التغيير في العالم.

لقد دفعت الولايات المتحدة الاتحاد السوفيتي إلى سباق انجر إليه عن وعي أو لا وعي، ولضرورة أو لا ضرورة فليس هذا ما نناقشه هنا، لكن هذا السباق جعل الاتحاد السوفيتي يستهلك ثروته الناتجة عن تعب العمال والفلاحين في أمور بعيدة عن تلبية احتياجات هذه الطبقات وتطور حاجاتها، ما أدى لانقسامٍ اجتماعي عنيف وحاد فرأينا طوابير الخبز والزبد والبيض واللحم في بولندا أولاً، قبل أن تنتشر وتؤدي لثورة اجتماعية استغلها بعض الطفيليين، الذين نموا وتكاثروا على هامش صراع سباق التسلح، فبدأت كل دولة أو كيان داخل الاتحاد السوفيتي بالبحث عن الخلاص الفردي من هذه الأزمة وعدم تحمل تبعات هذه السياسة المدمرة لطبقاتها الاجتماعية، فانتشر التشقق في البناء الإسمنتي الكبير، وانهار الهيكل على من فيه، وتحولت رومانيا مثلاً، والتي كانت من أغنى الدول الاشتراكية، إلى مصدر ليس للسلاح والمعدات الصناعية بل إلى مصدر للراقصات والعاهرات وفتيات البارات.

أما المافيا التي اغتنت من انفراط عقد الاتحاد السوفيتي فصارت جزءاً من المافيا العالمية المرتبطة بالرأسمالية الإمبريالية، وأخذت تستثمر ثرواتها الجديدة خارج دول ما كان يسمى الاتحاد السوفيتي، وخصوصاً في مشاريع ذات عائدات ريعية تزيد فقر دول العالم الثالث فقراً، وجوعهم جوعاً.

وأمام بحث دول المنظومة الاشتراكية السابقة عن باب خلاص اقتصادي، أصبح المثال الغربي هو الأمل وطريق الخلاص الوحيد المتاح، مع أنه سيؤدي للفراغ ولا شيء سوى الفشل، فاستقطبتها إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي ليكون الشعب الساعي للخلاص أداة قمع نفسه وغيره، فوصل الصراع حتى إلى أطراف روسيا نفسها التي تحاول أميركا تطويقها بشبكة من الصواريخ لمنع الحلم بعودة الاتحاد السوفيتي، أو حلم تعادل القوى مع الإمبريالية الأمريكية.

الخط الثالث: بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وغياب “بعبع الشيوعية” الذي شكَّل أداة الضغط الفضلى لدى الإمبريالية والأداة الرئيسة في تخويف الحكام المرتبطين بالولايات المتحدة والغرب عموماً، كان لا بد من خلق “بعبع” جديد.

هذا “البعبع” تربى على أيديهم ونمى في أحضانهم، فأرادوه وسيلة لمنع النهضة الإسلامية من جهة، وأداة تخويف للأنظمة التي ربما فكرت بالاستقلال عن القرار الأمريكي ولو ضمن الحد الأدنى، ومبرراً للاحتلال المباشر لمنابع الثروة والنفط.

إنه “بعبع” الإرهاب الإسلامي، الذي ستكون لنا وقفة معه في حلقةٍ مقبلة.

 الكومبرادورية/ من أصل برتغالي وتعني “الشاري”. واستُعملت هنا لتوصيف القوى المرتبطة تماماً بالخارج في سياستها..

Print Friendly, PDF & Email
Share