الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

الفيلم اللّبنانيّ “طالع نازل

سينما

نجح بأبطاله وسقط بمضمونه!

كتب وليد باريش:

1… رغم المواضيع الكثيرة والمتداخلة ببعضها وبكل خطوطها الحمر التي تُغطي عالمنا اللبناني والخارطة العربية، يأتينا محمود حجيّج بنص هزيل وسهل عبارة عن لوحات ومشهديات منفصلة تجمع بينها خيوط رفيعة مصطنعة، وكأنّه أراد من هذه اللّوحات أن يُرتب مفردات حياة خاصة جداً لشرائح إنسانية بكل تفاصيلها اليوميّة، محاولاً جمعها داخل جدار لوحة واحدة تختصر جزءاً من شعب ووطن، لوحة مشغولة بأدوات حيّة تحمل هموم بعض المواطنين وتقترب من خباياهم الباطنيّة فإختار لنصه السينمائيّ عنوان “طالع نازل”!

والفيلم يلعب بطولته كميل سلام(الطبيب النفسي)، ندى أبو فرحا(يارا المرأة الشبقة)، فادي أبو سمرا (أبو كريم بوّاب العمارة)، حسّان مراد (عماد صاحب محل لصنع تماثيل الأزياء)، عايدة صبرا (مدام تونيا التي تعاني من إبنها)، دياموند أبو عبود (آنا الرافضة تحوّل والدتها إلى عاهرة)، منذر بعلبكي، يارا أبو حيدر، منال غدّار، زياد عنتر، حسام شداد. ومن إنتاج جورج شقير، منذ اللقطات الأولى تتعدّد مستويات النص لنفهم أن العمارة تختصر الوطن بكل مشاكله حيث يقيم الطبيب النفسي ويستقبل مرضاه الذي يصادف آخر يوم من السنة حيث يتحضّر الجميع للإحتفال، وحاصراً مهمته بالجلوس أمامهم والإستماع إلى مشاكلهم: من المرأة الشبقة إلى الأم، الرجل المهووس، الشاب الخجول، الفتاة الرافضة لواقعها، الزوج والزوجة ويتقاطع بين المقابلة والأخرى عدة مشاهد للبواب أبو كريم أمام العمارة أو داخل المصعد (الطالع والنازل) الذي يشهد لقاءات حميمة بين مراهق ومراهقة، والشاب الهاوي للغناء وحوارات السكّان وحبوب التقوية الجنسية للجار البعلبكي، لنكشف بعد هذه البانوراما “أن الطبيب يُعاني من فتور العلاقة مع زوجته لينتهي الفيلم مع مشاهد وأصوات الألعاب النارية والرصاص الحي ورصاصة طائشة تصيب إحدى الزوجات، ورقص وإبتهاج من الجميع ومواعدة يارا لعدة رجال وقضاء الطبيب السهرة مع زوجته وحالة جمود وضياع لآنا وهي تتجوّل وحيدة هائمة في الطرقات!

2السؤال:

ماذا يريد أن يقول لنا محمود حجيج من هذه الحزورة التي لا تحتاج إلى مخترع أو مًبصّر لحل رموزها داخل العيادة النفسيّة؟

وما هي الرسالة التي يريد إيصالها إلينامن خلال “طالع نازل”؟

يبدو الأمر للوهلة الأولى ومع إنسياب المشاهد المًتكررة للمرضى وكأننا بالفعل أمام حدث منتظر ومهم متعدد الإيحاءات كوجه هذا الوطن، ولكننا سرعان ما نكتشف أن ركاكة العمل غير المألوفة من مخرج بوزن محمود حجّيج كان قد قدَّم في السابق أفلاماً تسجيليّة ووثائقيّة محترمة ومشرفة، وعوّدنا أن نتابع ونرى أعماله تبعث الدهشة وبزي شعبي خالص بالإضافة إلى بنية النصوص المُتداخلة التي تتطلّب الكثير من الإنتباه لإلتقاط خيوطها، فإلى أي مدى إستطاع في “طالع نازل” أن ينجح في إستقطابنا كجمهور سينمائيّ؟

بكل أسف فشل تماماً، وهذا ما ظهر جلياً وأحدث صدمة لجمهور الصالة بكل تعليقاتهم الساخرة، خصوصاً عند النهاية المُبهمة وبعد 75 دقيقة ضائعة من وقتنا !!3

يبدو أن محمود حجّيج المخرج تعامل مع نصه بروح الخبير بإعتماده ومن وجهة نظره خرق المألوف جاعلاً العيادة النفسيّة وطناً مشحوناً بالأحداث الفعليّة والمصعد خصّه لعملية الوصل لكل التقاطعات وذلك لإلتقاط مفاتيح النص والشخصيّات وانطلاقاتها وإدارتها، وبعد كل ما شاهدناه على الشاشة أثبت أنه غير قادر على المغامرة، سيما وأن الأمر برمته لا يستدعي المغامرة لإعتقاده أنّه رائد التجديد في رؤياه السينمائيّة التي بقيت تدور في حيّز متعارف عليه من قبل هواة النوع فقط!

قد نتفق مع بعضنا البعض وقد نختلف في وجهات النظر وتقييم الفيلم، ولكن هذا لا يمنعنا القول رغم فراغ النص والإجتهاد بتقديم صورة مُغايرة، الاّ أن تعدّد الشخصيّات والإستعانة بأسماء محبوبة رسمت لوحة شمولية، وأجاد وتفنّن الممثلون في أداء أدوارهم ومنح شخصياتهم  النزعة التهكميّة المطلوبة، وربما هذه هي النقطة الوحيدة التي تُسجّل لصالح العمل، فأضفوا على أدائهم روح السخرية المُبطنة بالحزن والهم، فكانوا أكبر من النص ومن مشاهدهم ومن تحريكهم داخل “الكادر”.

4 بإختصار شديد “طالع نازل” ورغم أنه صنّف نفسه فيلماً لبنانياً وحاول المخرج أن يكون كل شيء موجود فيه ولو بالرموز والإشارات، ولكنّه في الحقيقة جاء خالياً من كل شيء وفي الحقيقة أنه ليس فيلماً، ولم يتوصل إلى صفة الفيلم الوثائقي، ولكنّه من بعيد يُشبه الأفلام فنجح بأبطاله و… سقط بمضمونه!!!

Print Friendly, PDF & Email
Share