الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

في الفيلم السينمائي اللبناني / يا نوسك

                أحلام صغيرة تتحقق!

 

كتب وليد باريش :

أقل ما يمكن أن نقول أن تجربة فيلم ” يا نوسك” من كتابة وإخراج إيلي خليفة وبطولة: زينة دكاش والسويسري سيغفريد تابورتان، ريتا إبراهيم، ألكسندرا خوند، جورج قاصوف، جورج دياب، راشيل عون وسابين حمدان، يستدعي منا وقفة نسجِّل فيها تقديرنا للمخرج وطاقم عمله بعد أن شبعنا من محاولات تصويريّة ومشاهد فاضحة و”نسوان”وعلاقات شاذة أطلق عليها صنّاعها أفلام روائية واقعيّة وأفلام مهرجانات دوليّة (!)

     في “يا نوسك” ثمة قصة صغيرة جداً وحبكة منطقيّة بنى عليها خليفة أحداث فيلمه، وان بالمفهوم المتداول… ليس للفيلم من جسدٍ صلبٍ أو قصةٍ متسلسلة تصلح للسرد في تتابعٍ واضح، ولكنه كمخرج أبدى اهتماماً بالتقاط تفاصيل صغيرة لحياةِ أناسٍ هامشيين وحاول نثرها على مساحة زمنيّة لـ”دراماه السينمائيّة” رغبةً منه في وضع المُشاهد بحالة مشهديّة معقولة. من هنا يمكننا القول إن سيناريو “يا نوسك ” تناول أحلاماً صغيرةً وطموحاتٍ كبيرةً لشرائحَ من اللبنانيين البسطاء، جمعهم في أحياء شعبيّة عاديّة، ولعلّنا للمرّة الأولى في أفلامنا اللبنانيّة، بالأخص تلك التي ينفذها جيلُ السينمائيين الجدد، والتي تعكس الصورةَ لعلاقاتٍ متوازنة بين شرائح مختلفة من بشر(!)

   “رودي” السويسري الذي يعيش في لبنان يمتلك مطعماً لـ”البيتزا” وله علاقاته الخاصة كشابٍ عازبٍ مع أنماط غريبة من الفتيات..”سوسو” الفتاة الجامعيّة المزاجيّة، التي تعيش عالمها الخاص، والتي تفضّل الكلام والثرثرة قبل الجنس، والتي تختفي فجأة وتهرب من خطيبها وتلك الفتاة النرجسيّة الـ “BIO SEX”  التي تقوم بتعذيب الشريك قبل مطارحته الغرام، وزوجة الجار الطامعة بفحولة وشباب رودي،  ومنى ( زينة دكّاش )التي تعمل لديه في المطعم مع “مروان وعلي” وتُخفي حبها لرودي..  تترك منزل والدتها ختام اللحام الباحثة الدائمة عن عريسٍ لابنتها وتقوم باستئجار غرفة في المنزل الذي تقطنه الفتاة النرجسيّة (!) – من ضمن النقاط الضعيفة للفيلم _

    يُعد رودي وليمة عشاء في غرفته الكامنة على سطح إحدى بنايات الأشرفيّة ويدعو إليها الجار وزوجته ومروان وعلي، ولتلبية الدعوة تطلب “منى” من سائق التاكسي (جورج قاصوف) إيصالها إلى منطقة الأشرفيّة، ولكن السائق المراهق يحاول الإعتداء عليها، فتتمكن من السيطرة عليه وتقييده وحمله إلى المقعد الخلفيّ للسيارة وتنطلق بها حيث رودي الذي يستقبلها بمجموعة من “القبلات البانوراميّة”، وينطلق بالسائق المقيّد إلى أقرب مخفر للشرطة للتبليغ عن الحادثة، ولكن السائق يتهمه بسرقة سيارته، فيوضع رودي في الزنزانة على ذمة التحقيق.  “منى” الواقعة في غرام معلمها السويسري تزوره يومياً وتغني له تحت شباك زنزانته، ومع ظهور الحقيقة يخرج رودي لتكبر علاقة الغرام معها وينطلقا في شوارع بيروت مع مروان وعلي على درّاجتهم الناريّة للدلالة على السعادة والحريّة والإلفة.

     باختصار كل ما يعمل له هذا فيلم “يا نوسك” هو التعبير السهل والمبتكر والذاتي عما نشعر به أمام مجريات الواقع دون الأخذ بمطبات الواقع وملامحه وصفاته، أو الكلام عن مشكلة مستعصيّة استناداً إلى الإشارات الإنسانيّة الكثيرة التي تنطلق منها التفاصيل العامة والخاصة والفنيّة بقوتها التعبيريّة الشفّافة والمتوازنة، وان وردت في بعض الحوارات جملٌ خارجة عن المتداول المعترف به لتصبح”لغة” إيلي خليفة الخاصة: ” طيزها حلوة ، بس ضيعانها ما عم تستفيد منها منيح”  ، ” إنت ما بتعرف تحكي بس شاطر بدّك تنام معي ”  !؟

     من هنا يبدو أن “خليفة” الكاتب والمخرج حاول أن يتنفس تحت ماء سينما الواقع لهذا واكب مفردات الشارع في بعض مفاصل فيلمه، ولكنه امتص الحالة الانفعالية لشخصياته بهدوء، عابراً بها إلى مجريات داخليّة، ومرتفعاً بها إلى مستوى الأداء العفوي للدراما السينمائيّة، الخالية من شوائب الإطالة المعتمدة والثرثرة المجانيّة والمشاهد الجنسيّة الفاضحة التي في غير زمانها ومكانها، من هنا يأتي نعومة “يا نوسك” وأهميته لابتعاده التام عن “فزلكات” معظم عباقرة السينما اللبنانيّة الجديدة واكتفائه بإيصال حكاية صغيرة نشاهدها بحب!

Print Friendly, PDF & Email
Share