الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

فيلم “أصحاب ولا أعز”… ما له وما عليه؟

 

من النقد السينمائي إلى الغباء الاجتماعي.

 

=============

كتب: مالك حلاوي.

=============

في زمنٍ بات فيه كل مواطنٍ ناقدًا وعلى امتداد ساحات النقد الفني والاجتماعي والسياسي وما إلى ذلك، دخل فيلم “أصحاب ولا أعزّ” محرقة هؤلاء “النقَّاد”، ممن حوَّلوه من فيلم سينمائي إلى جريمة اجتماعية ارتُكبت بحق “عفافهم” وربما انتهكت “عذريتهم” البريئة من كلَّ الفجور الذي يمارسه غالبيتهم بين طيَّات “محموله” الذي يضج بفضائحه المكبوتة بانتظار لحظة شبيهة بما حصل على مائدة الخسوف في “أصحاب ولا أعز” ولو من بوابة أخرى…

لن أنحى كغيري ممن دافعوا عن الفيلم باتجاه كونه ليس للعرض في صالات السينما أو على شاشات مفتوحة، لأن ذلك برأيي لا يغيِّر شيئًا في حقيقة النظرة النقديَّة الموضوعية للفيلم، خصوصًا في هذا الزمن المفتوح على كل العالم ليس سينمائيَّا فحسب بل اذهبوا إلى المسلسلات المتاحة على نفس شبكة عرض الفيلم “نيتفلكس” وشاهدوا كم أن هذا الفيلم بريء من تهم: الجراة والابتذال أو حتى التشجيع على “المثليَّة الجنسيَّة” وهنا يكمن الغباء الأكبر لدى هذه القائمة الطويلة من “النقَّاد” الذين تعج بهم صفحات التواصل الاجتماعي، خصوصًا بالنسبة لهكذا عمل مأخوذ بالأصل عن فيلم إيطالي للكاتب والمخرج باولو جينوفيز بعنوان: Perfetti sconosciut أو بالإنكليزية: Perfect Strangers من نتاج العام 2016 وقد حاز ما حاز من جوائز ومداخيل بملايين الدولارات، ليس لكونه من “الإنتاجات” الضخمة للسينما المعاصرة، بل على العكس، من أقل الأعمال كلفة، وهذا يعود لطبيعة النص والسيناريو وهو لنفس المخرج..

وكنسخة مطابقة عمد وسام سميرة إلى تقديم العمل محافظًا على سياقه العام نصًا وإخراجًا وتصويرًا وقد أحسن بفعله هذا وتجنَّب لعبة المقارنة، لو اجتهد في الذهاب إلى خصوصية محليَّة أبعد من بعض المفردات الكلاميَّة في النص لزوم اللغة أو اللهجة (بين المصرية واللبنانية)، وكذا الحال بالنسبة لعنوان الفيلم “أصحاب ولا أعز”…

من هنا فإن من يسعى لإنصاف سميرة كسيناريست ومخرج لهذا الفيلم عليه توجيه نقده بعيدًا عن “حساسية” نظرتنا الشرقية بما لها وما عليها، لأن تناوله لهكذا موضوع هو عن سابق تصوُّر وتصميم، عالمًا بمحاذيره ومستعدًا لتحمل التبعات (إن وُجدت) وهي عندي معدومة، ليس لأنني خارج هذه التركيبة الشرقية، بل على العكس أنا من الضالعين بها، إنما حينما أشاهد فيلمًا مستندًا إلى فكرة عالمية، لا أُحبِّذ الغوص في مدى تطابقه على مجتمعنا، بقدر ما أسعى إلى الإحاطة باللعبة السينمائية بحد ذاتها، وإن يكن برأيي الخاص كل ما شاهدناه في هذا الفيلم ليس غريبًا أبدًا عن حقيقة مجتمعاتنا ولو اختلف الأمر نسبيَّا بين شخص وآخر على امتداد عالمنا العربي.

من هنا سأكتفي بأهم عناصر نجاح هذه النسخة العربية من الفيلم، وهي اختيار فريق التمثيل، باعتبار هذا العمل بدون “القدرات العالية لممثليه” لكان قد استحق اللعنة، إذ تعتمد اللعبة بكاملها عليهم، إما أن يقوموا بإيصالها بأمانة أو يسقطون مع العمل إلى الحضيض… فالمخرج بكاميراته شبه الثابتة، و”اللوكيشن” الواحد والحركة المحدودة ترك للممثل حرية إيصال الشخصية إلى المشاهد دون الاستعانة بتقنيات العصر السينمائية، لدرجة كنَّا خلالها أمام ما يشبه خشبة المسرح، التي أعطت للممثل فؤاد يمِّين تحديدًا حرية الاستفادة من هذه الخشبة بحكم شخصيته وتداعياتها إن من خلال تعاطيه مع الهجمة التي تُشن على صديقه المصري (أياد نصّار) أو لحظة اكتشاف كونه هو “المثلي جنسيًّا” لعبة المسرح هذه لم تغرِ يميِّن بتجاوز حدود عين الكاميرا السينمائية بل على العكس أمسك بالخيط الفاصل بين هذا وتلك ونجح في أداء الشخصية إلى أقصى حدود…

لعبة الخشبة مارستها أيضًا الممثلة المصرية منى زكي ولو بحدود من خلال محاولة إضافة بعض الطرافة إلى الجلسة قبل أن تتوالى الصدمات عليها وتجبرها على الصدام مع زوجها… ومع منى زكي لا أدري مدى أهمية نزع لباسها الداخلي قبل التوجه إلى السهرة، وهي لقطة برأيي لا تستحق كل هذه الضجة التي أُثيرت حولها، ولو أنني كنت أجد ذلك أكثر توظيفًا للأحداث لو حصل مع نادين لبكي، الزوجة التي تتكشّف خيانتها لزوجها (جورج خبَّاز) مع “الجغل” عادل كرم “الخائن بالتلاتة” بين لبكي، وزوجته حديثة العهد دياموند بو عبود، والموظفة لديه افتراضيًّا “نيكول” والتي تعلن من خلال لعبة كشف سرية الهواتف المحمولة على مائدة العشاء أنها حامل منه… وهنا أبدعت نادين لبكي برأيي في لعبة الغضب المكبوت، والذي لا تستطيع التعبير عنه، لكنه فضحها في أكثر من تفصيل دون أدنى افتعال وهنا تكمن إحدى علامات الحرفيَّة التي أثنيت عليها وقد شملت قائمة الممثلين السبعة (أبطال العمل بحق).

دياموند بو عبود وجورج خبَّاز رغم إتقانهما العالي لشخصيتيهما، كانا الأقل حظًّا في لعبة الأداء المركَّب الذي شاهدناه مع البقيَّة، فانحصرت لعبة دياموند في مشهدين روتينيين حول الخيانة والخيانة المضادَّة: الأول مع اتهامها بالخيانة من قبل كرم، والثاني مع الكشف عن خيانته هو، بينما خبَّاز قد مرَّت “فضيحته”، إذا جاز التعبير حول افتضاح أسرار الأصدقاء، كخاضع لجلسات العلاج النفسي مرور الكرام، وقد طغى عليها مشهد أدائه لشخصية الأب المنفتح وعدم اعتراضه على التجربة الجنسية الأولى لابنته القاصر، ولم يتضح ما إذا كان الأمر هو من نتاج هذه الجلسات أم لا، باعتبار هذه المسالة وحدها برأي تكاد لا تتوافق في طرحها بين النسختين الإيطالية والعربية…

Print Friendly, PDF & Email
Share