الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

بطلات استثنائيات في ع. إسمك.

 

وكارين “كالطير يرقص مذبوحًا من الألم”.!

=============

كتب: مالك حلاوي.

=============

أعترف بدايةً أنني دُهشت في أكثر من ممثلة، لا بل بطلة في مسلسل “ع إسمك” للكاتبة كلوديا مرشليان والمخرج فيليب أسمر، ما استفزَّني للتوقف مليًّا عند كلٍّ منهن على حدةٍ، وليس ذلك انتقاصًا من الأدوار الرجالية، خصوصًا وأن فريق عمل هذا المسلسل يضم بين صفوفه أكثر من جيل من الممثلات والممثلين، ممن أعطوا هذا العمل لمسته الاستثنائية بين أعمالنا المحليَّة الصرفة، كتابة وإخراجًا وتقنيين وفنانين، في زمنٍ اعتبر الكثيرون أن زمن الإعمال المحليَّة بات مقتصرًا على بعض المهازل التي تملأ الشاشات اليوم (ولا أعلم السر في هذا النشاط غير العادي لأعمال تجاوزت حدود التفاهة تحت مسمَّى مسلسلات لبنانية)  في حين نرى هنا أننا أمام مسلسلٍ، قد تكون علَّته الوحيدة هذا التطويل في حلقاته الأخيرة، ربما لزوم التسويق في زمنٍ اقتصادي صعب لزيادة عدد ساعات المبيع، بعدما استكمل عناصر تصاعده الدرامي وباتت كلمة النهاية هي المطلوبة مع اختصار حلقاته الأربع أو الخمس الأخيرة بحلقة واحدة…

وكي لا أكون مجافيًّا للحق والحقيقة أقدِّم استعراضًا سريعًا لمشاهدتي أو رؤيتي الخاصة لأبطال العمل، وأقول بداية إن من حق الممثل الكبير أنطوان بلابان عدم تجاهل حقيقة أنني تلمَّست في عودته إضافة جديدة لهذا العمل، وهو قد شكَّل في “ع إسمك” ثلاثيًّا مخضرمًا يجمعه مع علي الزين وعاطف العلم وكل واحد من الثلاثة جرى تقديمه في شخصية مغايرة وغير نمطيَّة… ومسألة الإطلالات غير التقليدية أو العادية والمستهلكة للممثلين هي ميزة قد تكون عامة ضمن المسلسل، حيث لا شخصيات رتيبة ومكرَّرة، وهذه هي الحال أيضًا في شخصية الممثل مجدي مشموشي (بدور الميكانيكي كرم) المشحونة بشتى أنماط العواطف والمعاناة التي أحسن أداءها… هذا الكلام قد يرى البعض من مشاهدي المسلسل أنه ينطبق أيضًا على يوسف حدَّاد، لكن من جهتي أرى حدَّاد قد سقط أو أُسقط به (إخراجيًّا ربما) في البُكائية التي لم أستسغها كثيرًا من جهتي، وقد يعارضني مشاهدون كُثر في هذا المجال وأنا أحترم آراءهم… يبقى شربل زيادة الممثل المظلوم في اقتصار دوره هنا على تقديم شخصية رأيناه غالبًا بمثيلاتها، وإن يكن الإتقان في أدائها هو السمة التي يتميَّز بها هذا الفنان المخضرم. في حين أعطانا فيصل أسطواني إشارة إلى أن بإمكانه الذهاب بعيدًا في لعب أدوار حقيقية لا مجرد أدوار عابرة بحكم عمله التقني أو الإداري في غالبية الأعمال التي يشارك بها.

أما جيري غزال “البطل الميلادي” للسنة الثانية مع نفس هذا الفريق تقريبًا، فقد كان قريبًا، لا بل ناسخًا لشخصيته في العام الماضي ضمن “أم البنات”، لكنه يبقى، وعلى امتداد العامين والعملين، محافظًا على مقولة أن بإمكانه وضع نفسه على خارطة التمثيل إلى جانب عمله الإعلامي.

ظهور جيد لممثل شاب وحيد ضمن “ع إسمك” (تامر نجم بدور ماريو) فيه الكثير من التفاؤل برفد الساحة الشبابيَّة عندنا بطاقة إبداعية جديدة.

تالين أبو جودة.

أول من أدهشتني صراحة في هذا العمل هي الطفلة تالين أبو رجيلي بدور “ميريام” كممثلة في غاية النضوج أداءً، وهي هنا تفوقت على نفسها في “أم البنات”، لنجدها إضافة لخفة ظلها ولحرفيتها غير المعهودة، خصوصًا من خلال إمساكها بَملَكة “تعبئة المشهد” في لحظات الصمت بالتعبير بكل أدوات جسدها وأعضائها وحواسها، وهذه مسألة يفتقر إليها ممثلون وممثلات كبار بكل أسف، لكن مع تالين تلمَّست وفي أكثر من لقطة لها أنها قادرة على الإبداع حتى بعيدًا عن المكتوب في النص، أو الملاحظات المُوحى بها من قبل المخرج، فاستحقت الدهشة التي أحكي عنها.

غرازييلا طربيه.

قد يقول البعض إن تقديم اسم تالين على غرازييلا  طربيه هو عدم إنصاف للأخيرة، وأشاركهم الرأي قائلًا أنا مثلهم احترت بين من هي أكثر إدهاشًا لي من الأخرى، فغرازييلا بطبيعتها المُساعِدة لها بأداء شخصية “دوللي”، أعطتها دفعًا أقوى لكسب قناعة المشاهد (ولن أقول تعاطفه) بمدى قدرتها على إيصال كل تفاصيل الشخصية دون عناء. وأهم ما نجحت به  غرازييلا هو أن تكون حقيقية (لا ممثلة) في مختلف المرافق أو المواقف التي قامت بأدائها، خصوصًا وأنها كانت كثيرة ومتشعِّبة حيث تابعناها هنا في عشرات المحطات، والتي لم نعتد عليها في هكذا أدوار: “الفرح، الغضب، الحب، العتب، القهر، الضياع، التعاطف وقبول الآخر وما إلى هناك” وهذه كلها تتشارك غرازييلا لعبة النجاح فيها مع الكاتبة كلوديا مارشليان أولًا باعتبارها بنت الشخصية بطريقة لم تشأ أن تكون مجرد حالة مركونة يحكي الآخرون عنها، بل أعطتها الفرصة كي تحكي هي عن نفسها أسوة بزملائها وزميلاتها في العمل. طبعًا وحول نجاح غرازييلا لا يمكن تجاهل دور المخرج فيليب أسمر أيضًا.

كارين رزق الله.

لن أتحدث كثيرًا عنها، لقد باتت كارين رزق الله نجمة الأدوار النسائية المركَّبة بلا منازع، وأصبح المشاهد يشعر خلال مشاهدتها في هكذا أعمال أنه يقرأ كارين الكاتبة والممثلة معًا… وجديدها في “ع إسمك” ربما يقتصر على أن الصراع الكبير الذي حُكمت فيه شخصية “أم البنات” بين العقل والعاطفة قد تطوَّر هنا مع “جود” إلى صراع أكبر لتحل “قيود المجتمع” محل العقل وغريزة الأمومة محل العاطفة، وتمتزج الأيقونات الأربع (عقل، عاطفة، مجتمع وأمومة) كغصَّة في حلق الممثلة كارين، وهي غصة رافقتها طيلة حلقات المسلسل، حتى وهي تريد إقناعنا وإقناع من حولها بأنها فَرِحة وتغني أو ترقص لتأتي رقصاتها دائمًا “كالطير يرقص مذبوحًا من الألم”.!

 فيفيان أنطونيوس.

تعود فيفيان أنطونيوس في هذا العمل وهي كبيرة بدور كبير، بعيدًا عن مساحته على صعيد مدة ظهورها على الشاشة.. كبيرة وهي تقدِّم لنا شخصية “صولانج” الشابة- العجوز…. شخصية نقيضة لشخصية كارين (شقيقتها في العمل)، لكن ما يجمع بين الشخصيتين هو كونهما “مُركّبتين” وكل واحدة في اتجاه (التحدِّي والاستسلام)… إضافة إلى العواطف المكبوتة والمخفيَّة بقناع القساوة إلى حدود الكراهية… وقد نجحت فيفيان بإضفاء لمستها الخاصة على كل مرحلة من مراحل شخصيتها المركَّبة هذه.

ليليان، ختام ومارينال.

ثلاث بطلات في هذا السياق كلُّ واحدة منهن أجادت لعبتها في أدوار متناقضة: ليليان  ومارينال تختلف معاناة كلّ واحدة منهما مع “العنوسة” باختلاف ظروفهما، والأهم أن ليليان بدور “جورجيت” حافظت لنا على كونها “فاكهة العمل” الذي تقوم به وتُضفي عليه بهجة قلَّ نظيرها، ومارينال أعطتنا مع “حبيبها أبو شربل” مزيجًا من المعاناة والطرافة بعدم الاستسلام لفكرة العنوسة، في حين أن ظروف ختام اللحام مع الزواج والأمومة كانت أكثر قساوة من “العنوسة” نفسها..

ريتا عاد أو “سارة”، والتي ظلَّت حكايتها مخفيَّة للنصف الثاني من العمل، لنكتشف أنها عاشت معاناة قد تكون الأصعب قياسًا لمعاناة الناس ممن باتت تقوم بحلِّ مشاكلهم كناشطة في حقوق المرأة، لا أدري لماذا أحسست بأنها لم تأخذ حقَّها في السياق الدرامي العام، فبدت بأنها مجرد “حائط مبكى” لسيمون قبل ان تنمو حكاية الحب بينهما.

نازلي كاسبيان (حبيبة ألكو) دور عادي عابر لكنه قد يكون الفرصة لإطلالة على الناس وعلى المنتجين عسى وعلَّ.

الكبيرة وفاء طربيه.

خارج إطار النقد والكلام التقييمي لها ولأدوارها تقف الكبيرة وفاء طربيه عند حدود الفنانة المخضرمة، والتي لم يعد بالإمكان وضعها في إطار كلاسيكي، باعتبار بإمكانها أن تصنع من “اللادور” و”اللاشخصية” في أي عمل دورًا وشخصية استثنائية، ولست هنا لأصف دورها “حياة”  في “ع إسمك” ضمن هذا السياق، بل لأقول عمومًا هي قادرة اليوم وغدًا على إبقاء نفسها بمنأى عن تقييدها بدور صغير، وذلك من خلال إمكانياتها الذاتية بالارتقاء بالعادي إلى غير الاعتيادي لا بل الاستثنائي…

كلوديا مارشليان.

وتبقى من أهم بطلات هذا العمل الكاتبة كلوديا مارشليان، والتي خاضت هذا العام في أكثر من قضية إنسانية، وأهمها في هذا العمل قضية الأمومة المفقودة بسبب سرطان الرحم، واستطرادًا القلق من العامل الوراثي ضمن العائلة الواحدة، وبالتالي اللجوء إلى عملية التلقيح الاصطناعي ومدى تقبُّل المجتمع لهذا التدبير القسري، كما جرى مع “جود”، ما اضطرها للجوء إلى تسجيل ابنتها (من هذا التلقيح) باسم رجل لم تكن تعلم عنه شيئًا.

 

Print Friendly, PDF & Email
Share