طموحنا أن نتحول إلى منبر نقاش لبناني-عربي

“حكي رجال”

في مسرحيّة لينا خوري

 

مواجهة المجتمع الذكوري بدون تعقيد!

كتب وليد باريش:

… إذا كان المشهد الفنيّ في مسرحيّة “حكي رجال” التي أخرجتها للمسرح لينا خوري يستحق الكثير من وقفات المراجعة ومحاكمة النتائج ونقد السلبيات وخاصة الذكوريّة منها بهدف إقناع الرجل وتجاوز الأخطاء، وتحقيق تطوّر الدراما المسرحيّة ضمن حوارات وأحداث وقصص تحاكي الواقع الخاص للرجل الشرقيّ خصوصاً وتتعدّد محاوره لتشمل مجموعة من الوقائع المستورة والعلاقات الإجتماعيّة في هذا الزمن، وفي كل الأزمنة لإنارة الطريق من أجل إيجاد الحلول للمشكلات المفترضة‘ فإن هذا العمل الذي يمتد لفترة ساعة وربع ضمن فصل واحد لا ينحصر في المعالجة النقدية للمشهد الفنيّ، وإنّما تتعدّد قصصه ليُضيء على مكامن الرجل الذكر بكل سلبياته وسلبيات الواقع الإجتماعي الذي تربى عليه.

تقول المخرجة لينا خوري في “بروشير” عملها المسرحي الجديد “حكي رجال”الذي كتبته بمساعدة غبريال يمّين، فؤاد يميّن ورامي الطويل أنه بعد مسرحيّتها “حكي نسوان” شغلتها كثيراً أسئلة مختلفة حول حكي الرجال.

 هل لديهم قصصّهم الدفينة؟

ما هي مشاكلهم، أحلامهم، رغباتهم وأسرارهم؟

هل هم فعلاً أسياد هذا المجتمع الذكوري أم هم ضحيّته؟

أسئلة كثيرة راودتها، بدأت معها رحلة البحث عن أجوبة

وهنا كانت المعاناة، فالإجابة كانت بعيدة، غامضة وغير متوفرة، لماذا لا يتكلّم الرجال؟ هل بطبيعتهم يخْفون مشاكلهم خلف ستار مركّب؟

وتقول أيضاً لينا أنّه استمر البحث معها والمقابلات والكتابة لحوالي خمس سنوات إستعانت فيها بالصديق الممثّل فؤاد يميّن، ومن ثم بصديقها الكاتب رامي الطويل حتى بلغوا معاً صيغة مسرحيّة”حكي رجال” التي يطرحونها اليوم أمام الجمهور على مسرح “المدينة” علّهم يكشفون حال الإنسان اللّبنانيّ بصدق.

مسرحيّة “حكي رجال” من كتابة لينا خوري بالتعاون مع غبريال يمّين وفؤاد يميّن ورامي طويل وإخراج وتمثيل لينا خوري بالاشتراك مع: غبريال يميّن، فؤاد يميّن، طارق تميم، طوني معلوف، جوزيف زيتوني و… وتأتي في سياق مشروع فكري وبحث فنيّ ومشهد تجتهد فيه الفرقة كلّها لتحقيقه عبر أفكارها الخاصة التي استطاعت أن تُثبت خصوصيّتها وتحدّد معالم هويّتها، من هو الرجل، كيف يفكّر، ما هي طموحاته، هواجسه، خوفه، فرحه، حزنه؟ كلّها أسئلة بقيّت على المسرح بدون أجوبة واضحة المعالم في زمن إهتزّت فيه العلاقات الإجتماعيّة والعائليّة وبات الرجل بشكل عام أسير همومه اليوميّة المتصاعدة، وتكتم على طموحاته وأنفاسه، فأهم ما طُرح على المسرح قضيّة التعبير عن الفكر وأعماقه بأسلوب حياتي، يومي بأسلوب فنيّ بسيط بعيد عن التعقيد.

 ومن ناحية أخرى انطلقت المخرجة في مشاهدها في إتجاه واضح المعالم بالإضافة إلى نقد السلوك الإجتماعيّ للرجال ونظرتهم إلى المرأة في محاولة لتأصيل نظرتهم لها وللقواعد التي تحكم المجتمع الذكوريّ المنغلق على نفسه وعلى الآخرين.

ومع أبطالها حاولت وضع الأصبع على الجرح وترك المساحة كاملة لهم في الحركة والإبداع والتعامل بحريّة مع النّص فقدّموا معاً نموذجاً فريداً للفريق المنسجم دون الدخول في عالم “الفاتنازيا” من باب الواقع مؤكّدين أن الحياة أصبحت أكثر عبثيّة من الخيال.

“حكي رجال” يمكن لنا أن نصنّفه تحت خانة “الكوميديا السوداء” شديدة السخرية على الذات الإنسانيّة لأنه لا يبتعد أبداً عن رؤية التأليف بعيوب المجتمع الذكوري المتمسّك بألعاب الجنس وصيد النساء لجرّهنّ إلى الفراش، لهذا شكل العمل مجموعة حسيّة “ميلودراميّة” فرض ظلّه على المشاهد ما جعله يتقبّل السخرية والكلام البذيء بفرحة وسعادة ودون إعتراض بفضل حوارات مركبة ببراعة وصادمة حول أمور الحياة والتي تبدأ عادة بفكرة صغيرة تحدث لمطلق إنسان تم تداعياتها وإنتشارها وخروجها من حيّز المكان إلى حدود أكبر وأكثر إتساعاًثم تتحوّل إلى قضيّة صعبة أو عقدة مستعصية تطاول الجميع.

في “حكي رجال” إستطاعت لينا خوري المخرجة مع أبطالها تشريح الذات الإنسانيّة وإكتشاف عوالم خفيّة ومستورة وغير قابلة للجدال وأن تملأ الفضاء المسرحيّ بحركات الأبطال مستفيدة من “السينوغرافيا” بتوقيع حسن صادق، ومن تصميم عمر مجاعص للإضاءة، والملابس لسوزي شمعة، والفيديو والغرافيكس لشيرين أبو شقرا ورمزي خوري وتيفاني مجاعص

في المختصر “حكي رجال” رسالة فنيّة ثقافيّة رفيعة المستوى لكل من يؤمن بالإنسان ودور الرجل وحقّه في الحياة.

Print Friendly, PDF & Email
Share