الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

ملامح الزمن الحالي… قومية عربية لـ”توك شو” الأغبياء

 برامج ظاهرها واقع وباطنها عهر وانحطاط!

في غمرة الصراعات المقبلة

هل تفتقر الأمة إلى إطارٍ جديدٍ من المواجهة ؟

 

دراسة / سعيد أبو فراس

   المحور الأول: القوى الناصرية.. والقومية بمواجهة “الإمبريالية”!

لا يختلف اثنان على أن المرحلة التي نعيشها في العالم العربي هي من أدق المراحل وأكثرها خطورة على مصير المنطقة ككل… فبعد سقوط الإتحاد السوفيّتي، والدخول الأمريكي العلني والمنظَّم إلى المنطقة لأكثر من هدف، وانعدام روح المواجهة (عالمياً بوجه عام وعربياً بالمبدأ) لدرجة صارت فيه أبسط طروحات “المقاومة” باباً من أبواب المغامرة القاتلة، وضرباً من ضروب العبث، وبتنا نرى ملامح المواجهة محصورة حكماً بأصحاب التوجهات الدينية (الإسلامية حكماً) ما يُخرج هذه المقاومة من إطارها الشعبي المطلوب والممكن التعويل عليه، ما يفرض البحث، ليس عن بديل لهذه “المقاومة” أو المواجهة، وبعضها في غاية الفاعلية والمصداقية (مع التأكيد على كلمة بعضها) بل عن متممات لها لتكون هذه المواجهة على قدر الهجمة الحاصلة…

من هنا نرى وجوب التعاطي مع الموضوع بغاية الدقة، واستنباط المحفزات، بين الماضي والحاضر سعياً لمستقبل أكثر تفعيلاً…

 

الفكر الناصري.. مواجهة أدَّت الغرض في حينها وتجربة لم تكتمل!

 

بداية وللتوضيح نقول: إن المقصود بالقوى الناصرية هو القوى التي أشار إليها عبد الناصر بأنها قوى التغيير والنهضة في العالم العربي، وهي: العمال والفلاحون والمثقفون الثوريون والرأسمالية الوطنية.

إن الإحاطة بكل وجوه الصراع القومي في العالم، ونهضة الشعوب في مواجهة الإمبريالية منذ أواسط القرن العشرين وحتى وقتنا الحاضر أمر لا يمكن معالجته في مقالة، ولذلك سنتطرق لكل وجه من وجوه هذا الصراع، ولكل إقليم من أقاليمه في مقالة مستقلة، وسنكتفي في هذه المقالة الأولى بإلقاء نظرة سريعة على الصراع في منطقتنا العربية دون أن نغفل عن ارتباط صراعنا مع الإمبريالية بصراع كل الشعوب الساعية للحرية والخلاص من قوى النهب والاستغلال المحلي المرتبطة والمتحالفة والعميلة (الكومبرادورية) للغرب الإمبريالي.

من هزيمة حزيران إلى سقوط الاتحاد السوفياتي

لقد أدرك الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الرأس المدبِّر والقوة العسكرية والرأسمالية الرئيسية للإمبريالية الحديثة، وأداة الصهيونية العالمية دون منازع، أن حماية مصالحها من تحالف القوى القومية في العالم، وخصوصاً في الوطن العربي، وتنمية قاعدتها المتقدمة المانعة للوحدة العربية، وهي الكيان الصهيوني، ينبغي أن تسير بالتوازي في خطوط ثلاثة:

الخط الأول: السعي لتيئيس الداخل عبر إيصال قوى عميلة لها أو متحالفة معها بصورة مباشرة، وبصورة غير مباشرة بالتالي مع إسرائيل إلى سدة السلطة لتكون أداة القضاء على قوى النهوض في المنطقة، ونشر فكر الاستسلام والخنوع، وقد نجحت في هذا إلى حد بعيد. فباتت الأنظمة القائمة مرتبطة بها بشكل عضوي، ومصالحها معادية لمصالح جماهيرها، وقد استطاعت أن تنجح وإلى حدٍّ ما في إقامة مؤسسات تعمل على نشر فكر الخنوع والاستسلام وخلق اهتمامات تافهة للأجيال الطالعة، وذلك عبر:

أ‌-       إنتاج “كتبة” لا عمل لهم سوى الحديث عن السلام ومميزات السلام ونتائج السلام… تستقبلهم قنوات تلفزيونية هجينة ويحاورهم مذيعون أغبياء، ويحاولون وضعهم على قدم المساواة في مواجهة ممثلي قوى رفض الاستسلام، ورموز عهد النهوض الوطني والقومي.

ب‌-  إقامة شبكات إعلامية لنشر فكر الاستسلام، من صحف ومجلات وقنوات تلفزيونية، تعمل على خلق اهتمامات تافهة لدى الشباب عبر إطلاق برامج تسعى لجعل القدوة والمثال هو المغني الذي يتراقص على المسرح وكأنه عاهرة محترفة، ويغني كلمات تدمر الأخلاق العامة والمُثل والقيم، والمغنية التي ليست أكثر من بغي تعرض لحمها للبيع والإيجار عبر الشاشات، ثم تحويل هؤلاء وأولئك إلى الشغل الشاغل للشباب عبر جعلهم الشغل الشاغل للمحطات التلفزيونية والمقابلات اليومية، وتكرار ذلك يومياً حتى يحفر عميقاً في الذاكرة وليصبح هؤلاء هم القدوة والمثال للشباب العربي، وتصبح صورهم هي التي تغطي ملابس الشباب بدل رموز فترة النهوض الثوري (1958- 1970). إضافة لجعل هذه البرامج قومية تجتذب مشاركين من كل الوطن العربي لتعميم الفساد والإفساد. وتمويل هذه البرامج عبر شبكات إعلانية كومبرادورية تروِّج لمنتجات تعود أرباحها للشركات الصهيونية والإمبريالية، ليكون الربح مزدوجاً. ومن أهم هذه البرامج حالياً: “سوبر ستار العرب” من شاشة “المستقبل” و”ستار أكاديمي” من المؤسسة اللبنانية للإرسال LBC.

ج‌-    محاربة اللغة العربية (الحاضنة الأساس للثقافة العربية) عبر نشر مواقع على الحاسوب ومذيعين ومذيعات لا هم لهم إلا استعمال اللغة المحكية وهي عامل تفريق وإبعاد للجيل الجديد عن جذور ثقافته التي تحمل في داخلها الجذور الوحدوية، والوجدان القومي. ثم نشر كتب تعليمية لا علاقة لها بلغة القرآن ليصبح الجيل عاجزاً حتى عن قراءة كتابه المنزل وفك ارتباطه الديني القومي الوطني. وفوق هذا وذاك نشر سلسلة من المدارس والجامعات الغربية والمستغربة على مدى العالمين العربي والإسلامي (لاحظ عدد مدارس التي تحمل عبارة “الدولية” كالشويفات الدولية، والـ I.C وغيرها والجامعات الأمريكية و الأمريكية العربية في الدول العربية) لتنتج نُخباً متغربة عن أمتها وقضايا أمتها ومرتبطة بالغرب وقيمه، وأدوات سهلة طيِّعة بيد الصهيونية العالمية والرأسمالية، وها هي البرجوازية العربية تلقي بأبنائها في أحضان هذه المؤسسات بحجة مستوى التعليم العالي، ولكن حواراً بسيطاً مع أي من هؤلاء يريك ضحالة ثقافته وعجزه حتى التعبير عن نفسه بلغته الأم.

د‌-      تمويل دور نشر تعمل على نشر الكتب الضحلة والمستوى الهابط، وفرض شروط الموافقة المسبقة لمنع أي كتاب جدي من اختراق حصار الكتَّاب، فإما أن يكتبوا ما يريده هؤلاء الناشرون أو تُقطع لقمة عيشهم.

ه‌-       على الصعيد الديني يأتي تعميم برامج دينية تتحدث عن القشور وتتلهى بالتهويل والوعيد، ولا صلة لها بإسلام العدالة وإسلام الإنسانية وإسلام العلم إلخ…. يقدمها مذيعون- دعاة تذكِّرك أشكالهم بنماذج الإرهاب وتُنفر أي شاب من متابعة برامجهم. وفي نفس الوقت يُغلقون الأبواب في وجه أي برنامج إسلامي نهضوي جاد، أو ما نشتمُّ منه رائحة الدعوة إلى النهضة الإسلامية. وسنتطرق لدراسة وتحليل هذه البرامج والرد عليها في مقالة مستقلة.

و‌-      تأكيداً لارتباط مجتمعاتنا بالغرب كان لا بد من نشر الفكر الاستهلاكي والقضاء على محاولة نهضة اقتصادية صناعية (لاحظ هنا الحملة الكبرى ضد إيران لأنها تعمل على إنشاء قاعدة صناعية كبرى)، وذلك عبر الإعلان المتواصل وخلق حاجات جديدة غير أساسية للناس، وإغراق الأسواق بالمنتجات الرخيصة. قد تكون هذه المنتجات ذات هوية شرقية: صينية، هندية أو ماليزية إلخ… لكن الرأسمال، الذي يُنتجها ويُحقِّق منها العائدات الضخمة، هو رأسمال أمريكي.

من هنا نخلص إلى أن إمكانية نشوء رأسمال وطني في هذه البلاد تمَّت محاولة امتصاصه إلى خزائنها ومصارفها عبر رفع أسعار المواد الأولية التي عليه أن يستوردها من البلاد الخاضعة للهيمنة الأمريكية، فرفعت أسعار البترول والحديد وخلافه لأن قيمة هذه السلع ستُحوَّل بالدولار الأمريكي وإلى البنوك الأمريكية. بينما الدول المالكة لأموال النفط هذه عاجزة عن استعمالها وحتى عن نقلها إلى خزائنها، فهي تقبضها كأرقام في الحسابات فقط لكنها تُستخدم فعلياً لاستعبادها وقهر شعوبها، فيقتضي الأمر أن تصدِّر لها بجزء من قيمتها (ومن وقت إلى آخر) أسلحة ازدحمت بها مصانع السلاح عندها وصارت خارج الخدمة لديها، وفي نفس الوقت يتولى عسكريون أمريكيون الإشراف عليها لكي تستعمل فقط في الصراع الداخلي أو ضد بلاد أخرى مثلها، فلا تُستعمل أبداً لا ضد أميركا والغرب عموماً ولا ضد إسرائيل.

وفي ترابطِ واضح نرى عملية رفع الأسعار المتعمَّدة لقيمة المواد الغذائية وبالأخص الحليب ومشتقاته والقمح، لامتصاص ما يتبقى من أموال. فانعكس هذا رفعاً لسعر الأرز، ما خلق بالتالي صراعاً بين الدول الفقيرة فيما بينها، وفيما بين هذه الدول التي كانت على تحالف طبيعي معها في المراحل السابقة، فصارت هي العدو الآن، فيما اللص الأكبر القابع في واشنطن يدَّعي صداقة الجميع.

لاحظ ألوف المليارات المكدَّسة باسم السعودية والكويت وغيرها في البنوك الأمريكية بينما تستجدي أعدادُ لا يُستهان بها من السعوديين لقمة الخبز، ويموت مئات الألوف من المسلمين من الجوع في باكستان وأفغانستان وإفريقيا وغيرها، وتستجدي مصر حبة القمح من الولايات المتحدة، وطوابير الخبز في مدنها الكبرى تؤدي لسقوط القتلى، بينما أجهزة المخابرات في هذه الدول تلاحق الإنسان وتتنصت حتى على أحاديثه مع زوجته.

(بالمناسبة وليس على سبيل الطرفة، ذكر لي أحد من استدعتهم أجهزة المخابرات هذه، أنهم كانوا يرصدون كل كلمة يقولها وذكروا له حتى قيمة فاتورة المطعم التي دفعها في اليوم السابق، بينما لم يبصروا ولم يسمعوا شيئاً عن شبكات التجسس الإسرائيلية المنتشرة لديهم، كما ذكروا له أن أحد أصدقائه “حشاش”… ترى كيف قبضوا على هذا المواطن المسالم ولم يقبضوا على صديقه الحشَّاش ربما كي لا يضطروا للمواجهة مع المروِّج؟ وأقول لعل ترويج المخدرات والتي يزداد انتشارها، باتت من الأمور المرحَّب بها لديهم لأنها تُبعد الشباب عن الاهتمام بالسياسة.

الخط الثاني: إسقاط الاتحاد السوفيتي الذي كان وانطلاقاً من فكره المعادي للإمبريالية الحليف الطبيعي لقوى التغيير في العالم.

لقد دفعت الولايات المتحدة الاتحاد السوفيتي إلى سباق انجر إليه عن وعي أو لا وعي، ولضرورة أو لا ضرورة فليس هذا ما نناقشه هنا، لكن هذا السباق جعل الاتحاد السوفيتي يستهلك ثروته الناتجة عن تعب العمال والفلاحين في أمور بعيدة عن تلبية احتياجات هذه الطبقات وتطور حاجاتها، ما أدَّى لانقسام اجتماعي عنيف وحاد، فرأينا طوابير الخبز والزبد والبيض واللحم في بولندا أولاً، ثم عمَّت وأدت لثورة اجتماعية استغلها بعض الطفيليين الذين نموا وتكاثروا على هامش صراع سباق التسلح، فبدأت كل دولة أو كيان داخل الاتحاد السوفيتي بالبحث عن الخلاص الفردي من هذه الأزمة وعدم تحمل تبعات هذه السياسة المدمرة لطبقاتها الاجتماعية فانتشر التشقق في البناء الأسمنتي الكبير وانهار الهيكل على من فيه، وتحولت رومانيا مثلاً، والتي كانت من أغنى الدول الاشتراكية إلى مصدرٍ ليس للسلاح والمعدات الصناعية بل إلى مصدر للراقصات والعاهرات وفتيات البارات.

أما المافيا التي اغتنت من انفراط عقد الاتحاد السوفيتي فصارت جزءاً من المافيا العالمية المرتبطة بالرأسمالية الإمبريالية، وأخذت تستثمر ثرواتها الجديدة خارج دول ما كان يسمى الاتحاد السوفيتي، وخصوصاً في مشاريع ذات عائدات ريعية تزيد فقر دول العالم الثالث فقراً، وجوعهم جوعاً.

وأمام بحث دول المنظومة الاشتراكية السابقة عن باب خلاص اقتصادي أصبح المثال الغربي هو الأمل وطريق الخلاص الوحيد المتاح، مع أنه سيؤدي للفراغ ولا شيء سوى الفشل، فاستقطبتها إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي ليكون الشعب الساعي للخلاص أداة قمع نفسه وغيره، فوصل الصراع حتى إلى أطراف روسيا نفسها التي تحاول أميركا تطويقها بشبكة من الصواريخ لمنع الحلم بعودة الاتحاد السوفيتي، أو حلم تعادل القوة مع الإمبريالية الأمريكية.

الخط الثالث: بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وغياب “بعبع الشيوعية”، الذي كان البعبع المفضَّل لدى الإمبريالية والأداة الرئيسة في تخويف الحكَّام المرتبطين بالولايات المتحدة والغرب عموماً كان لا بد من خلق بعبع جديد.

هذا البعبع تربى على أيديهم ونمى في أحضانهم، فأرادوه وسيلة لمنع النهضة الإسلامية من جهة، وأداة تخويف للأنظمة التي ربما فكرت بالاستقلال عن القرار الأمريكي ولو ضمن الحد الأدنى، ومبرراً للاحتلال المباشر لمنابع الثروة والنفط.

في الحلقات المقبلة:

– الإرهاب الإسلامي: عدو وأداة

– العنصرية المتفجِّرة داخل المجتمعات الغربية.

– العجز الاقتصادي والأزمات الاقتصادية.

– صراع المصالح داخل الجات.

– منظمة التجارة الحرة لدول أميركا الشمالية(نافتا).

– أين نحن وسط هذا الصراع: أدوار ومواقف.

Print Friendly, PDF & Email
Share