طموحنا أن نتحول إلى منبر نقاش لبناني-عربي

صرخة أخيرة للتمسّك بأرض تُسّحب من تحت أقدامنا

مسرحيّة ” نقدم لكم وطن”


 

كتب وليد باريش:

      … رغم كلّ الخطوط الحمر التي تُغطي منطقتنا العربيّة !

… ورغم كلّ الأشكاليّات التي تتقاطع مع حياتنا السيّاسيّة!

 يأتينا أنطوان غندور بنص جريء ومسالم وذكيّ يُعيد فيه ترتيب بعض مفرداتنا بكلّ تفاصيلها المتشابكة راسماً لوحات معيشيّة مشغولة بأدوات عاليّة الجودة وفنيّة تنسلخ من هموم المواطن العاديّ وتُعرّي قضاياه بدءاً من التهميش والتجويع والقمع وعمليات التسويّة والفبركات والسياسات الخارجيّة في مسرحيّة “نقدم لكم وطن” التي قام بإخراجها ريمون جبارة بمساعدة غبريال يميّن وسيلين حلبيان والتأليف الموسيقي لجوزيف العنداري من إنتاج “شركة لبنان التراث” وبطولة أنطوان كرباج (البطريرك الحويّك)، عبير نعمة (مجدولين)، جيلبر جلخ (حالوم)، بيار شمعون (عنطز)، جهاد الأندري (المتصرّف أوهانس باشا)، أنطوان بلابان(جمال باشا)، عاطف العلم (المتصرّف على حقي وإسكندر الرياشي)، نجلاء الهاشم (شعشوعة)، جورج دياب (ابونا جناديوس)، فاديا عبود (تكتوكة)، جوزيف سعيد (المطران عبداللّه)، علي الزين (المكاري)، سامي ضاهر (وكيل البطريرك وروّيهب)، خالد السيّد (شلضم)، نبيل كرم (دهمان)، طوني عاد (المتطرّف علي منيف)، جورج عقل ( المرحوم هوشر) مخول مخول (دفّاش وأحمد أفندي الفقش)، لويس ناضر( رضا باشا والشاعر حسيب تقي الدين)، حسين شكرون(محمد كرد علي والضابط دانكطاش)، نسرين الأشقر(مريانا)، الفتى إميليو وهبه (ربيع).

         يقول أنطوان غندور في مُلخّص عمله:” أنها ليست مسرحيّة عن البطريرك الحويك بالمُطلق، إنما هي جزء من روحيّته وهو الّذي سعى بكلّ ما يملك من وطنيّة وحنكة لإيجاد مساحة وطن ينعم بالإكتفاء الذاتيّ لإعتقاده الراسخ من أن هذا المبدأ بالنسبة إلى وطن صغير هو ضمانة الإستقلال والحرّية والكرامة وحمايته من التزلّف والأرتزاق ورهن المصير لأي دولة من دول العالم، وهي تروي قصة نُخبة من رجال مُسنين يُمثلون جميع فئآت الشعب يلتقون في مطحنة قديمة متوقفة عن العمل، قام بتحويلها البطريرك إلى دار للعجزة وميتم للأطفال تحت إشراف حالوم ومُدرّسة الموسيقى مجدولين، ومع نشوب الحرب العالميّة الأولى وفظائع ومجازر جمال باشا وكلّ المشاكل الإجتماعيّة نتيجة هذه الحرب وإجبار الشباب على خوضها إلى جانب الجيش العثمانيّ .

جعل البطريرك من بكركي مُلتقى وصرحاً فكرياً وسياسياً وإجتماعياً وثقافياً الأمر الّذي دفع رئيس وزراء فرنسا في حينه كليمنصو ليصبح من الأصدقاء المُقرّبين للبطريرك ويساعده في تحقيق لبنان الكبير”!

        كعادته أنطوان غندور تتعدّد مستوايات النص عنده ولكنّه يُبقيه على نسيجه الداخليّ، بمعنى أدق أنه يُحافظ على بُنيّة المسرح داخل المسرح، مما يفتح الأفق واسعاً أمام تعدّد الدلالات المباشرة والصريحة، البعيدة والمتعددة الإيحاءات فتبدو إخراجه من مآزقه وحروبه وصداماته مغامرة خطيرة ذات عواقب كما عودنا “الغندور” في أعماله الشعبيّة “بربر آغا”، “أخوت شاناي”، “طانيوس شاهين” و “يوسف كرم”، وهنا تكمن براعته في بناء شخصياته وفي رسم شبكة علاقاتها ومواقفها وردود أفعالها وتحويلها من أشكال مسطّحة ذات سمة واحدة تبعاً لوظيفتها العامة في العمل إلى نموذج دراميّ مركب له إسقاطاته الإجتماعيّة الجريئة الواضحة زاد في إشعاعها عمل المخرج ريمون جبارة ومساعديّه ليحققوا توازناً دقيقاً بين المضمون الفكريّ الإجتماعيّ للعمل خاصةً في مواقف البطريرك الحويّك وبين الحبكة الوطنيّة الصرّفة التي حققت الكثير من الإمتاع والتشويق لحالة خاصة جداً إستطاعت إضاءة شمعة في ظلام الإحتلالات العثمانيّة والفرنسيّة(مشاهد مطانيوس شاهين ويوسف كرم)!

       الميزة الأهم التي يمكن أن تحسب للمخرج جبارة هي وعيه لروح النص، فأجواء التوتر والقلق المشحون والتحفّز الداخلي للشخصيات كان يُعبّر عنها “بسينوغرافيا” تنبض بالحياة والحركة وبإيقاع داخلي سريع يعكس توتر تلك الشخصيات وإنفعالاتها( جمال باشا والبطريرك، مجدولين وحالوم،الفتى ربيع مع الشاب يوسف، شعشوعة وتكتوكة، بونا جناديوس والمكاري، شلضم وعنطز، المتصرف أوهانس باشا ومحمد كردعلي)، من هنا تعامل جبارة مع نص الغندور بروح تجربيّة تحديثيّة محاولاً أن يحمل ممثليه على إلتقاط مفاتيح النص والشخصيات وإدارتها بشكل جيد تاركاً المساحة الكبرى للأداء حيث بان بوضوح تفنّن الممثلون في لعب أدوارهم وإعطاء شخصياتهم الورقيّة الحياة مجسّدين الحالات المُلتبسة بين الهزيمة والأنتصار وما بين الموت والكرامة زاد في التألّق المشهديّ للمسرحيّة غناء عبير نعمة وجيلبير جلخ بالإضافة إلى موسيقى العنداري التي ساهمت في إبراز المواقف التعبيريّة بأبعادها الملحميّة الممزوجة بالوجع والإنكسار والعاطفة المجروحة والحلم المقتول!

       بإختصار مسرحيّة “نقدم لكم وطن” لوحات مشهديّة تنبض بالبطولة الجماعيّة يحركها بطريرك حمل وطنه في قلبه وأهميّتها أنها سترافقنا طويلاً وتؤرق ليلنا بهذا الترتيب الجريء لفوضى أرض يحاول البعض سحبها من تحت أقدامنا ووطن مجروح بالإنشقاقات المذهبيّة يُنشد أغاني الحريّة وكلّ آماله أن يستفيق حكّامه من مقابرهم!

Print Friendly, PDF & Email
Share