الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

بين التوقيع الثالث والمثالثة

 

مسألة سوء فهم أو نوايا سيئة.

والرئيس بري يدخل المرابعة إلى التداول.

==============

كتب: مالك حلاوي

==============

 

بالرغم من توارد عشرات التوضيحات والشروحات ومن مختلف أطراف ما يسمونه بالثنائي الشيعي ومن يدور في فلك الثنائي، حيث أسهب المعنيُّون في الشرح بأن تمسُّك رئيس مجلس النواب دولة الرئيس نبيه بري، ومعه “حزب الله” بوزارة الماليَّة ما هو إلا من باب التمسُّك بـ”الميثاقية” في تركيبة النظام اللبناني- الطائفي والمذهبي بامتياز، بمعنى إضافة التوقيع الشيعي إلى توقيعي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في القرارات الصادرة عن المجلس التنفيذي هذا التوقيع المرتبط حصرًا بوزارة الماليَّة، ومن هنا جاء التمسُّك بعدم قبول المداورة من باب أنه لا يجوز أن نعيش لفترة زمنيَّة بميثاقية تليها فترة زمنيَّة أخرى بلا ميثاقية.

أما فيما يختص بالكلام عن “المثالثة” بما تعنيه من استبدال صيغة”ستة وستة مكرّر” أي استبدال ما هو قائم اليوم من مناصفة في المجلسين النيابي والوزاري بين المسيحيين بكل مذاهبهم والمسلمين بكل مذاهبهم، استبدال هذه الصيغة بما أسموه بـ”المثالثة”، التي تعني تقسيم هذين المجلسين على ثلاث حصص: واحدة للمسيحيين بكل مذاهبهم والثانية للسُنَّة والثالثة للشيعة.. فهذه الصيغة أصلًا غير قابلة للتطبيق ولم يقم أحدٌ بطرحها، خصوصًا من قبل الثنائي الشيعي، إنما هي مجرد “بعبع” يهوّل به الطائفيون والمذهبيون أنفسهم لشدّ العصب لدى جمهورهم، والذي جعلوه أكثر تعصُّبًا وتطرفًا منهم، خصوصًا وأن التحريض لن يقتصر على جمهور المذاهب المسيحية بل على الدروز والعلويين أيضًا، من هنا علَّق برّي بطرافته المعهودة على اعتبار البعض تمسك الشيعة بالمالية من باب المثالثة قائلًا:

  • في حال كانت هذه مثالثة هل المرابعة هي بوزارة النفط؟؟؟؟؟

ويقول العارفون ببواطن الأمور أن العازفين على “وتر المثالثة” يعلمون علم اليقين أن أحدًا من الجانبين “المستفيدين” من هذه “الصيغة المسخ” إن يكن بالفعل هناك من مستفيدين (الشيعة والسُنّة)  بكتلهم وتشعباتهم القائمة، لا يمكن أن يلتقيا حتى على صيغة من هذا النوع؛ لإدراكهما أنها “صيغة خراب البلد”، وأن ما هو أقرب منها؛ للاتفاق والتطبيق، إنما هو صيغة الدولة المدنيَّة وإلغاء الطائفية السياسية مع إنشاء مجلسٍ للشيوخ كما نصّ اتفاق الطائف…وهذا أيضًا ما أعلنه دولة الرئيس بري اليوم من أنه في حال كان هناك إصرار على المداورة اليوم “فإلى الدولة المدنية دُرّ” ولتكن المداورة بكل شيء وفي الطليعة الرئاسات الثلاث…!

إذن ها هو السحر قد انقلب على الساحر وها هم مبتدعو فكرة حشر “الثنائي” في زاوية اتهامهم بالمثالثة تنقلب عليهم… أما لماذا يذرُّ هؤلاءِ الأقطاب الرماد في عيون مناصريهم، معلنين بأن الثنائي الشيعي يتخذ من وزارة المالية والتوقيع الثالث بابًا من أبواب الدخول إلى “المثالثة”، استنادًا لما يُحكى منذ فترة حول تراجع تعداد المسيحيين نسبة إلى التعداد العام للشعب اللبناني المُقي،م بنسبة الثلث لا النصف، وأن الدعوة للجلوس إلى طاولة حوار تبحث في قيامة صيغة جديدة لوجه لبنان (وهذا ما ألمح إليه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، دون أن نتجاهل بطرحه أصلًا من قبل سماحة السيد حسن نصرالله) فهم يقولون أن الهدف منه هو تغيير وجه لبنان من المناصفة إلى المثالثة، وهؤلاء غايتهم باتت معلومة وهي المزيد من حشر “الحزب” ومقاومته وسيد هذه المقاومة ومعهم دولة الرئيس بري واستطرادًا بيئة المقاومة، في زاوية المعادين للسيادة الوطنية والباحثين عن مكاسب شخصية لهم ولمحيطهم، وهذه كما بات معلومًا لم تعد خطة أو نهجًا محليًّا، بعدما باتت ومنذ الانتصار الأكبر في “حرب تموز” سياسة جرى التعبير عنها بمخطط تشويه صورة المقاومة بأوراق مهمة مدفوعة لإعلاميين وسياسيين ووسائل إعلامية بدأت بمبلغ 500 مليون دولار، لتتحوَّل اليوم إلى ميزانية مفتوحة مع دخول العديد من الأقطاب (في الإعلام والسياسة) إليها، ومن المتوقع أن تتصاعد نسبة الاستثمار اليوم أكثر وأكثر مع بداية خروج العملاء و”المطبِّعين” من جحورهم بصورة لم يشهدها الزمن العربي في أسوأ مراحله…

إن أخطر اتفاقيات السلام المزعوم (كامب دايفيد ووادي عربة) لم تجعل مصريًّا واحدًا ولا أردنيًّا واحدًا من عامة الناس أو من أهل السياسة يظهر إلى العلن ويقوم بالترويج للسلام مع العدو، كما يجري الآن من قبل إماراتيين وبحرانيين وقبلهما سعوديين، وللأسف من رأس هرم هذه الدول إلى قواعدها؛ ومن إعلاميين ووسائل إعلام إلى ناشطين ومواطنين عاديين… ولمن يسأل عن السبب أقول إن هذه الأبواق كانت بمثابة الخلايا النائمة التي تنتظر ساعة الصفر وبتشجيع من ملوكها وأمرائها لدعم خطوة قام بها “من يستمدون سلطتهم من الله” حسبما يروِّجون بين شعوبهم، ولا يجوز معارضتهم حتى ولو قادوهم إلى جهنم، لا إلى مجرد “تطبيع مع العدو” كان في الأساس قائمًا بالسر ولم يحصل اليوم سوى إخراجه إلى العلن…

وعودٌ على بدء أقول إن الخلايا النائمة في لبنان ليست حكرًا على الخلايا الإرهابية المتمثِّلة بشادي المولوي وخالد التلاوي وما بينهما من أمواتٍ وأحياء، بل هناك خلايا نائمة لكل ملفٍّ من ملفات ضرب محور المواجهة مع العدو بأوامر من راعيتهم الولايات المتحدة الأمريكية التي وضعت على عاتقها في لبنان (ربطًا بحربها مع إيران) ضرب المقاومة التي تشكِّل التهديد الأكبر لحليفتها “إسرائيل” بكل الأشكال المتاحة، والتي جرى تجريبها “مداورة” منذ حرب تموز التي أسقطت إمكانية الانتصار العسكري على هذه المقاومة، إلى الحروب الداخلية وفي مقدمها الإرهاب دون أن ننسى تجربة تجريد المقاومة من أحد أهم أسلحة “النصر التموزي” وهو سلاح الاتصالات، إلى “ثورات الربيع المزعومة” وآخرها ركوب موجة “ثورة 17 تشرين”، ووضع هذه المقاومة وقياداتها ضمن قائمة الفساد التي من أغرب غرائبها أن تقوم أميركا بإعلان المفسدين وهي راعية الفساد الخليجي (السعودي في المقدمة) والفساد اللبناني المتمثل بأهم حلفائها وحلفاء أوروبا وليس فؤاد السنيورة إلا نموذجًا عنهم تناستهم أميركا، علمًا أنهم هم حيتان الفساد واليوم يديرون اليوم ملف “مداورة” جديدة بالحقائب الوزارية أقحموها على المبادرة الفرنسية تحت ذريعة واحدة وهي إلغاء دور “الثنائي الشيعي” في الحكومة، إن لم يكن بخروجهم منها فبتجريده من فعاليته المتمثلة بالتوقيع الثالث، وربطه بمسألة المثالثة… ومن هنا أقول إن هؤلاء هم الأكثر إدراكًا بأن ليس في الأمر مجرد “سوء فهم” بينهم وبين الفريق الآخر، بل سوء نوايا يجري توظيفها لشحن جمهورهم كما أسلفنا ولو على حساب خراب البلد.

Print Friendly, PDF & Email
Share