الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

عفوًا سيدي البطريرك أي بحبوحة

 

عشناها في الخمسينيات والستينيات؟

بحبوحة الأربعة بالمائة من الشعب اللبناني…

============

كتب: مالك حلاوي.

============

أعلن غبطة البطريرك بشارة الراعي اليوم الإثنين 17/8/2020 قبل أقل من ساعتين ما أسماه “مذكرة لبنان والحياد الناشط”، ولست هنا بوارد التحليل والرد وما شابه إلا حول نقطة واحدة تعنيني جدًا وقد عشتها، ولم أفهم كيف تضمنتها كلمته، وربما من خارج سياق مشروع المذكرة، فالمشروع ستأتي الردود عليه بما يكفي مع انتشاره، وأنا افترض هنا أن رئيس دار الإفتاء الجعفري (الشيعي) سوف يرفضه، ويقوم رئيس دار الإفتاء السني بتأييده، ليقوم بعدها المفتي العلوي برفضه وبعده المفتي الدرزي بما يحلو له.. وتبدأ وسائل التواصل بتناقل الآراء والمواقف لتستعر ربما طائفيًّا ومذهبيًّا كما جرت العادة…. وهذا شأنه مع تمنياتي بأن أكون مخطئًا ونتجنب المزيد من الانقسام في هذا البلد المبتلي بعشرات لا بل مئات نقاط الخلاف والانقسام..

ما يعنيني هنا قول البطريرك أن هذا الحياد ربما يعيدنا إلى بحبوحة اقتصادية عشناها في الخمسينيات أو الستينيات وتعليقه مبتسمًا لمن حوله أنه “عاش هذه البحبوحة بينما أنتم لم تعشيوها”..

عذرًا سيدي البطريرك، أنا عشت هذه المرحلة، كنت مقيمًا في منطقة كرم الزينون في الأشرفيّة مع أهلي، يعني لم أكن في تل الزعتر أو صبرا أو غيرها. ولكنني بكل أسف لم أعش هذه البحبوحة بل عشت فقرًا مدقعًا، ما كان يتيح لي دخول حتى المدرسة الرسمية فجرى تسجيلي مع أخوتي في “المدرسة الأشورية الخيرية” مجانًا، والتي عادت وتحولت إلى المدرسة التعاونية الجديدة وصاحبها ما زال حيًّا (الأستاذ موسى سرحان) ثم صادف أن قمت بالتدريس بها  بعد حصولي على شهادة البروفيه في العام 1973…

سيدي البطريرك: في كرم الزيتون لم أكن أنا الشيعي فقط معدمًا بل كان جيراني من مسيحيين ودروز وسُنَّة وغيرهم متفاوتي الفقر والحاجة، لم يكن بيننا من يعيش البحبوحة ما دفعنا للجوء إلى الأحزاب التي أقنعتنا أن “البحبوحة ” أو اقتصاد لبنان هو حكر على نسبة أربعة بالمائة من الشعب اللبناني، يبدو أن غبطتك كنت من هذه ال4%… أما نحن فكانت المدرسة المجانية غاية تطلعاتنا، بينما غيرنا التحقوا بالعمل وهم من الأطفال، أما نحن فكان العمل صيفًا وأحيانًا في “الويك إند” هو ضرورة لنا لنشتري الكتب والدفاتر والقرطاسية… وحين انتقلت أنا إلى “مدرسة الجعيتاوي الرسمية” أحسست نفسي في مدارس الأثرياء، ولم يكونوا كذلك بل كانوا أقل منا فقرًا، بينما كنا نتلمس بعض “المتبحبحبن” هنا وهناك كأنهم ملوك يمرون من أمامنا بسياراتهم أو مع كلابهم التي يخرجونها لقضاء حاجاتها على التلة الفاصلة بين كرم الزيتون والجعيتاوي، أو في “الشحروري” كما كنا نسميها، وهي على طرف تلة الجعيتاوي….

سيدي البطريرك إذا كانت هذه البحبوحة هي ما تعدنا به  فبئس البحبوحة هذه، وألف شكر لله على نعمة الفقر وعلى اقتصادنا المدمَّر ، والذي لا أعلم بالفعل هل من قيامة لنا منه…. والسلام…!

 

Print Friendly, PDF & Email
Share