الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

إن لم توحِّدنا مأساة بيروت.

 

 فما الذي سيوحِّدنا وإلى أي خيارٍ ذاهبون؟!

=============

كتب: مالك حلاوي.

=============

هي ثوانٍ معدودات خلّفت كل هؤلاء الضحايا: من شهداء وجرحى ومفقودين. وكل هذا الدمار في: المنشآت والمؤسسات والمنازل والبُنى التحتيّة. وكل هذا الرعب على امتداد الوطن وبلاد الاغتراب،هو الرعب المشروع الذي عشناه في اللحظات الأولى، بدأ رعبًا من مجهولٍ تجاوز صوت الانفجار واهتزاز الدنيا من حولنا،قبل أن تتَّضح ملامحه تدريجًا ونحن نتفقّد من حولنا من أهل قبل ان نتفقَّد أنفسنا، ليتحوَّل بعدها إلى رعبٍّ على مصير الأهل والأحبة والوطن والمستقبل.

كلُّ هذا وأكثر بسبب عشرات، وربما مئات الفاسدين والجشعين والمهملين والمتورِّطين… ولكن يبقى الأهم ماذا بعد؟

قبل الكلام عن المحاسبة والقصاص العادل كيف تعاملنا نحن الناس العاديُّون مع هذه الفاجعة-الكارثة؟؟؟ هل بقينا خلف متاريسنا المعهودة…  هل استمر كلُّ واحٍ منَّا في جلدِ الآخر بناءً على مواقفنا وميولنا والاصطفاف السابق لكلٍّ منَّا ؟؟؟؟ 

للأسف نعم هذا ما يحصل… وأعط] مثالًا:

ففي كلمة السيد حسن نصرالله بالأمس جاءت المقدِّمة بمثابة الإضاءة على أن هذه الفاجعة طالت اللبنانيين بكل طوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم وميولهم السياسية، وعلى هذا الأساس كان على الجميع (وحسب كلام سماحة السيد) أن يتوحّدوا ويتكاتفوا، لا أن يتخذوا مواقف عدائية كلٌّ من موقعه. ولكن للأسف حصل العكس، فما أن انتهت كلمة السيد حتى انبرى كلُّ المعادين المعروفين له باتخاذ مواقف تصعيدية، وبدلًا من ملاقاته وسط الطريق اختاروا كل عبارات التطرف للتعامل مع كلمته، كما كانت عادتهم حتى وكأنه ألقى كلمة: حزبيّة، طائفية، مذهبيّة وعقائدية بمواجهة بقية الأحزاب والطوائف والمذاهب والعقائد..

من جهتي، في مناقشة ورؤية أوليَّة مع بعض الأصدقاء قلنا إنها كانت كلمة هادئة أكثر من المطلوب، ولم تأتِ بجديد. لكن في قراءة متأنِّية أدركنا كم كان السيد حريصًا على مشاعر الجميع ولم يقل كلمة واحدة تطال أي فريق أو فرد.. كان مدركًا لحجم هذه المأساة فاختار كلماته بعناية، لكن بكل أسف، لم تفعل هذه السياسة فعلها مع الآخر الذي بقي “متمترسًا” داخل جمجمته المنغلقة على الأفكار المعلَّبة والموحى إليه بها، أو المستندة على مصالحه الذاتيَّة الضيِّقة…

بعيدًا عن هذا المثال، لم أجد شخصًا واحدًا من الأطراف الأخرى (كبيرًا أو صغيرًا، في موقع القرار أو موقع المتلقِّي) يتعامل بشفافية مع الحدث عمومًا، أو مع الكلمة هذه أو مع كل كلمات الاعتدال التي رأيناها وسمعناها من البعض الذين استشعروا حجم المأساة التي طالت عاصمة الوطن وقلبه، ما يعني أنها أصابت كامل هذا الوطن، الذي يعاني أصلًا المآسي المتلاحقة منذ نهاية العام 2019 وعلى امتداد العام 2020… استشعروا ذلك فذهبوا إلى خطابات التهدئة والمسؤولية وجمع الناس لا زيادة الشرخ بينهم…

وأقول الآن، وربما سبقني كثيرون في هذا القول:

  • إن لم توحِّدنا مأساة بهذا الحجم فما الذي سيوحِّدنا؟؟؟

والوحدة هنا ليس ما يحوِّلنا الى فريق واحد أو عقيدة أو طرف، بل إلى وحدة إنسانية تضع نصب أعيننا أننا بشر نتألم مع آلام الآخر ونفرح لفرحه، لا شمّاتين في حزن الآخر وحاسدين في فرحه…  وحدة تعلّمنا أن ثانيةً واحدة أو أكثر بقليل قد تهدم كل ما بنيناه وقد تُفقدنا كلَّ من نحب، ومن هنا علينا أن نتعظ ونبحث عن نقاط الالتقاء وليس العكس…

فهل نستطيع أن نأخذ هذا الخيار… إنه الخيار الصعب والسير به هو البطولة وهو الرد على كلّ ما من شأنه أن يُفرح أعداءنا ويزيد في قهرنا وقهر شعبنا، بينما الإصرار على المواقف المتشنجة والعدائية والموتورة لن يقدّم لأصحابه إلا المزيد من العزلة والظلام، وللآخر إلا المزيد من المواجهة واستحداث المتاريس ونشر العداء بين مكوّنات الوطن الواحد… فإلى أي خيارٍ نحن ذاهبون… هذا هو التحدّي.

 

الصور من الآرشيف.

Print Friendly, PDF & Email
Share