الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

وقائع الانهيار الاقتصادي المحلي.

 

أسباب وتداعيات وحقائق..

وآفاق الحل للخروج من النفق.

اقتصاد: بقلم الشيخ محمد وسام غزيل

أحداث ١٧ تشرين كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير، حيث لا يخفى على أحد بأن المصارف كانت تنتظر أي فرصة لكي تقوم بما قامت به من حجزٍ لأموال الناس والشركات، ما أدّى إلى رفع سعر صرف الدولار في السوق السوداء؛ وذلك بناءً لحاجة التجار للدولار لاستيراد البضائع من الخارج ورفض المصارف فتح اعتمادات خارجية من حسابات اصحابها. لكن قبل ١٧ تشرين عمدت المصارف إلى تعليق التسهيلات للتجار، وأوقفت القروض بشكل تام؛ وذلك بعد ايقاف القروض السكنية، التي طالما وعدوا الناس بها. حيث لا يخفى على أحد بأن المصارف كانت تتحيَّن أي فرصة لكي تقوم بما قامت به  من حجز أموال الناس والشركات،  ما أدَّى لرفع سعر صرف الدولار في السوق السوداء، وذلك لحاجة التجار للدولار لاستيراد البضائع من الخارج كما أسلفنا، ورفض المصارف فتح اعتمادات خارجية من حسابات اصحابها .

حالتنا اليوم كدائرة “تتبُّعية” لا يمكن أن تعلم بدايتها ونهايتها ما وضعنا في حلقة مفرغة، لكن سنحاول سردها ونشرح أسباب الأزمة التي وصلنا اليها وإعطاء بعض الأفكار .

فمنذ أربع سنوات، ولبنان منقطع عن استلام مساعدات أو ودائع خارجية  من الدول المانحة له وهذه سابقة بتاريخه، فعدا التأثيرات من أحداث سوريا ومن حاجة سورية للدولار ومشكلة النازحين التي أدّت الى استهلاكٍ مفرط لمقدرات الدولة دون الاستفادة المباشرة،  لا يمكن أن نتجاهل الفساد المنتشر بجميع القطاعات والمشاريع الفاشلة والصناديق التي تزايدت دون حسيب ولا رقيب.

إن تثبيت سعر صرف الدولار كان يكلّف الدولة ما معدّله خمسمائة مليون دولار سنويًّا، لكنه حتمًا كان يؤمن بعض الرفاهية البسيطة للشعب اللبناني والمُقيم، كما يجب أن نعلم بأنه ومن غير المنطقي أن عملتنا التي بقيت ثابتة لأكثر من ثلاثين سنة على سعر ١٥٠٠ ل.ل للدولار دون الوصول إلى ثبات منطقي وعملي لها لأنه وبالعادة عندما تستقر أي عملة لمدة عشرين سنة يتم شطب الأصفار منها (كما حصل مع العملة التركية مثلًا)، بما معناه لو شطبنا الأصفار أصبحت عملتنا ليرة ونصف الليرة مقابل الدولار الأمريكي الواحد، بمعادلة ثانية نجد بأن ٣،٧٥ ريال سعودي يعادل دولارًا واحدًا في السعودية إحدى أكبر الدول النفطية، فكيف يمكننا الاقتناع أن اقتصاد دولة غير منتجة كلبنان بهذه القوَّة وأن عملتها أعلى من عملة دولة نفطية، الاستنتاج المنطقي وهو كلفة تثبيت الدولار  كانت منطقية، لكن للتوضيح بأن هذا التثبيت كان خاضعًا للمساعدات والودائع الخارجية.

عدما تقوم  بالاستدانة من شخصً ما ثم تسدِّد دينك من خلال استدانته من شخص آخر لتعود وتستدين مرة أخرى من نفس الشخص السابق أو غيره فهذه مناورة نسميها في لبنان “تلبيس طرابيش”، حيث كنا على مدى سنين ومن أيام الاستقلال نعتمد سياسة “تلبيس الطرابيش”. فمنذ خمسينيات القرن الماضي كان اقتصادنا ناشئًا على مصرفٍ ناشئ استطاع الاستحواذ على ٣٠٪ من الاقتصاد الوطني، لينتقل في الستينيات للاعتماد على ودائع التجار السوريين، ومن ثَمَّ من على أموال الحرب الأهلية فأموال الخليج وغيرها…

لا شك أن اقتصادنا هش منذ البداية وكان قائمًا على المساعدات و”تلبيس الطرابيش”، أما المشكلة اليوم ومع قيام حكومة لبنان بعدم دفع “اليورو بوند” سقط الطربوش عن رؤوسنا وانكشفت “صلعتنا” أمام العالم أجمع.

فأربع سنوات دون مساعدات، مع الاستنزاف المستمر  للأموال من قبل الحكومة أولا ومن قبل المودعين والتجار، وخصوصًا مع اتجاه مصرف لبنان لرفع الفوائد وبشكل غير منطقي، في وقتٍ كانت فيه أغلب دول العالم تقوم بتخفيض هذه الفائدة، بمسارٍ معاكس لمصرف لبنان.

ومع بداية العام ٢٠١٩ بدات انقسم الناس إلى قسمين: قسم أقدم بجرأة على تجمبد أمواله للاستفادة من الفائدة،  وقسم  آخر لا يستهان بحجم اموله خاف فحوّل أمواله إلى الخارج.

وجاء ١٧ تشرين ومعه صدر قرار غير حكيم بالمطلق من قبل جمعية المصارف وهو تحديد السحوبات، ما تسبَّب بهلع عند الناس الذين تهافتوا لسحب جميع  ودائعهم.

لكن من غير الممكن لأي مصرف في العالم تسديد جميع الودائع التي بحوزته دفعة واحدة، وليس ذلك بسبب الإفلاس كما يقال، لكن المصرف “لديه وعليه”، بما معناه المصرف يقدِّم القروض لبعض الناس من ودائع أناسٍ آخرين، وهذه هي مهمة جميع بنوك العالم، بل إن اغلب دول العالم لديها مصارف ذات صلاحيات استثمارية  تستثمر بأموال الناس، ولبنان كان لديه هذا النظام سابقًا كبنك انترا، من هنا يمكن القول أن إلزام  البنوك بدفع جميع أموال المودعين سيؤدي الى الإفلاس حتمًا.

لبنان ليس بلدًا مفلسًا كما يُروّج له، كما أن لبنان ليس دولة تعيش على المساعدات، بل دولة ازدهرت بسبب المساعدات والودائع، يعني بالعاميّة “بتتدين لتتزين”، ولكن بنفس الوقت فإن المودعين الأجانب واللبنانيين استفادوا جدًا من هذه الودائع وفوائدها.

قبل نشوء الجمهورية اللبنانية وقبل لبنان الكبير كان هناك متصرفية جبل لبنان تتمتع بالسلطة الذاتية، استطاعت ان تثبّت نفسها اقتصاديًّا وذلك عبر الزراعة العادية والمتميزة، والوقت الذي كانت الهند لديها حصرية انتاج الحرير استطاعت متصرفية جبل لبنان انتاج وتصدير الحرير للدولة العثمانية، كنا يومها أمام اقتصاد متين وقوي، وهذه مجرد فكرة بسيطة اعطيتها لأعود وأقول إننا اليوم نعيش في جمهورية دون مقومات سوى الاعتماد على تحاويل اللبنانيين في الخارج والمساعدات التي تقدّمها الدول. فبرغم من المشاكل السياسية في لبنان والمنطقة وبرغم العقوبات المفروضة على سوريا وإيران، والصراع ما بين دول العالم الكبرى والدول الاقليمية، يمكن لبعض الأفكار أن تساعد للخروج من المأزق الاقتصادي.

بالعودة لواقعنا المرير وأخبار الدولار في السوق السوداء، الذي يرتفع ويتراجع بسرعة وتفاوت كبيرين، وذلك يفسّر  أن حجم التداول في السوق الداخلي وبين الناس صغير جدًا وأي عملية تبديل متوسطة الحجم ستؤثر على وضعية ثبات الدولار صعودًا ونزولًا.  وحسب الأرقام المتداولة بوجود ملياري دولار في منازل المواطنين والشركات اليوم، لو افترضنا بأن التداول هو نصف المبلغ، سنستنتج أن حجم سوق التداول النقدي ليس بحاجة لسيولة مرتفعة جدًا.

من جهة أخرى فاذا نظرنا إلى مشكلة حجز الودائع التي تزيد عن ١٧٠ مليار دولار، يتوجب أن تتراجع عملتنا بشكل جنوني ما يزيد عن مائة ألف ليرة للدولار الواحد، ذلك لو كان حجم الاقتصاد اللبناني يعادل ودائعه ، لكن ما ثبُت أن تداول الأموال قبل الأزمة لا يشكّل ١٠٪؜ من حجم الودائع، واتكلم عن التداول الداخلي .

تتمحور الحلول للخروج من الأزمة على عدة محاور منها الدبلوماسي والسياسي، فالاصلاحات وإيجاد اقتصاد مستدام:

الدبلوماسي والسياسي:

يتوجب أن تكون الحكومة ديناميكية ولديها القدرة على التفاوض مع الدول الكبرى، ونحدّد هنا أميركا حصرًا لأنها هي من يمتلك مفتاح القرار دون منازع، لو نظرنا إلى العراق، حيث هناك أنظمة راديكالية تشارك بالحكم والحكومات، حتى بعض تلك التنظيمات تمثّلت برؤوساء ووزراء، فذلك يؤكد أن الأميركيين لا تعنيهم سوى مصالحهم التجارية والإستراتيجية، لذلك يمكن عزل قضية “حزب الله” إن كانت فعلًا هي سبب منع المساعدات، وفهم مطالبهم الحقيقة، أما عن قانون قيصر كذلك، يمكن للحكومة وبذكاء طلب ترخيص للبنان للاستفادة من وضعية هذا القرار كما حدث مع تركيا والإمارات أيام عقوبات إيران الأولى.

الإصلاحات: 

لا يمكن للبنان أن يستمر بالفساد وبنفس نمط العمل السائد،  لسياسييه، وكذلك لا يمكن تحقيق البند الأول أي الدبلوماسي والسياسي، دون الإتيان بحكومة بعيدة عن السياسين المعروفين بتورطهم في الفساد ، لأن تلك الدول لن ترضى بالتعامل معهم، وكما قلنا سابقًا بأن لبنان انكشف ماليًّا، كذلك تلك  الطبقة السياسية انكشفت لدى الرأي العام، لذلك فإن تحقيف الاصلاحات يستوجب انشاء حكومة مستقلة فعليًّا على رأسها رجل قوي لديه علاقات قوية مع الخارج.

الاقتصاد المستدام :

هذا البند مرتبط بالبندين السابقين، في حال تم تحقيقهما يبدأ لبنان باستلام مساعدات محدودة، ويستفيد من سوريا ووضع قانون قيصر بترخيص من أميركا، ثم يعاود التنقيب في بحره معتمدًا على التنسيق مع الدول الكبرى، وهكذا تتوقف الدولة عن الاستلاف من مصرف لبنان، ويتوقف مصرف لبنان عن اعطاء فائدة، بل يعطي قروضًا تجارية مطلقًا سيسة الإسكان مرة أخرى. أضف إلى ذلك الاستمرار بسياسية الدعم للمواد الأساسية دون تحرير الليرة؛ بل دعمها بشكل مؤقت، وإدخال القطاع الخاص بشكل كبير للاستثمار في: الطرقات، الكهرباء، الاتصالات، الشواطيء، المواصلات، فتح مطارات أخرى، دعم قطاعات شركات المعلوماتية، والانتاج الفني (سينمائي وتلفزيوني)، السياحة، القطاع الزراعي العضوي والتكنولوجي، المختبرات والعلوم الخاصة بالخلايا الجزعية….

هناك أفكار وخطط ممكن أن تخرجنا من النفق، والإرادة موجودة لكن الإدارة مفقودة. وما بين الإرادة والإدارة حرف إلى الأمام وحرف إلى الخلف… نحتاج لفريق جديد يأخذنا إلى الأمام.. أما الفريق القديم فقد اعتاد أن يذهب بنا الى الخلف.

 

Print Friendly, PDF & Email
Share