الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

كارين رزق الله لماذا

هذا الحزن القاتل؟

 

==============

كتب: مالك حلاوي.

==============

لطالما كتبت وتحدثت في لقاءات عامة وخاصة حول غياب النص اللبناني عن الدراما التلفزيونية التي نشاهدها منذ سنوات وبتوقيع كتَّابٍ لبنانيين كبار، فأحيانًا كان نصنا من نمط الآكشن الأميركي بلغة عربية أو لهجة لبنانية، وأحيانًا نصوصنا مصريّة “مخدراتيَّة” بلهجة لبنانية، قبل أن نبدأ بالمكسيكي أو التركي أو أو.. وكل ذلك باللهجة اللبنانية ظنًّا منهم (الكتاب مع المخرجين) أنهم يصنعون دراما لبنانية… ربما كنَّا أمام استثناءات ببعض الأعمال أو بعض الخطوط الدرامية في هذه الأعمال نفسها، إلى أن جاء رمضان العام 2015 وشاهدت مسلسل “قلبي دق” للكاتبة كارين رزق الله…

يومها بدأت أتابع العمل ما بعد الحلقة الأولى (وأنا ممن يتوقفون عند متابعة مشاهد لا حلقات من الأعمال السابقة) بدأت أتابع “قلب كارين” وقلبي يدق خشية أن تجنح إلى “مطارح” يُفقدها هذه الخصوصية اللبنانية بين الضيعة والمدينة، بعيدًا عن الـ”كليشيهات” السطحية لصورة الضيعة والمدينة كما كنَّا نشاهدها في المسرح وفي التلفزيون والسينما، وكلها كانت المقارنة فيها بين المدينة والقرية على شاكلة مسلسل”دويك في المدينة”… “قلبي دق” في حينها لكنه عاد ليخفق لمصلحة الكاتبة التي لم تخذلنِ من هذه الناحية، في وقتٍ أدهشتني في صياغة الحوارات اللبنانية التي لم أشهد مثيلًا لها في كلِّ مسلسلاتنا بكل أسف ومع كبار الكتّاب.. سمعت حوارات كنت أعرفها وأحفظها عن ظهر قلب في حياتنا اليومية وكنت أتساءل لماذا لا أرى مثيلًا لها في أعمالنا الدرامية؟!…

فالعلاقة كما الحوارات بين الأهل والأخوة تنبع من باطن أرضنا، وليس فيها ما كنت أراه أو أسمعه  من علاقات مرسومة بـ”البيكار” كما يقولون، ومن حوارات مكتوبة بعناية كي تبقى الأخوَّة (كما الأبوَّة والأمومة) هي حوارات بين القديسين حسبما تعودنا في مسلسلاتنا.. والأهم من كل ذلك يكون الخير والشر بيِّنًا في هذه الدراما، لا لُبس فيه، فالشرير يقول لك أنا شرير والخيِّر تتطاير هالات القداسة من فوق رأسه… أما مع كارين (الكاتبة) فالأمر مختلف تمامًا وحوارات الأخوة لا تختلف أبدًا عن حواراتهم في المنازل والأزقة اللبنانية، فيها تبادل الإهانات والصراخ والمنافسة وبعض البغضاء هي الخبز اليومي، ولكن في المفاصل الدقيقة والحاسمة نرى الأب القاسي والأم الفاقدة لأمومتها والأخوة المتنازعين على كل شيء هم من لحم ودم وهم المثال للأهل والأخوة المحبين والمتآلفين في قرانا ومدننا، طبعًا مع وجود استثناءات لا علاقة لها بسياق الأحداث في مسلسل “قلبي دق” لكارين رزق الله.

أما لماذا لم أكتب في حينه عن العمل وعن كارين، وأعتقد أن زميلنا وليد باريش في “أمواج” لم يقصِّر في هذا الاتجاه، ولو أنه تناول جوانب أخرى من هذه الأعمال وهذه القضايا… فالسبب أنني ترقبت ولديَّ خشية أن يكون هذا مجرد عمل يتيم لكارين له علاقة بتجربتها الشخصية… وبالفعل بدأت أشاهد بعض حلقات عملها اللاحق “مش أنا” وكان ذلك وسط انشغالي وانصرافي لأعمال ضاغطة في حينه، فشاهدت بعضًا من حوارات مكرَّرة ومواقف شبيهة، ما أغناني عن المتابعة، في حكمٍ مسبقٍ أن الكاتبة تدور في حلقة مفرغة عنوانها الأساس “قلبي دق”… لكن جاءت فترة الإعادات لأعمالها وشاهدت “مش أنا” حلقة حلقة ومشهدًا بمشهد وحرفًا بحرف لأرى كم كنت مخطئًا في حكمي المسبق… فالعمل مختلفٌ تمامًا أما التشابه الوحيد بينه وبين “قلبي دق” فهو فيما أحببته بالكاتبة كارين رزق الله وهو “لبنانيتها” ككاتبة، والخصوصية اللبنانية هنا لا تعني بأي شكل “عنصرية النص” بل محليته، هذه المحلية التي لطالما قلت وربما نقلًا عن غيري إن المحلية المُتقنة هي طريقنا للعالمية، إذا أردنا للدراما اللبنانية ان تنتشر…

ولن أُطيل.. شاهدت كارين في رباعيتها ككاتبة.. أي تابعت مع: “لآخر نفس” و “ومشيت” لأتلمس في كل عمل خصوصية جديدة لكاتبة لها بصمتها ولها مكانتها المتفردة في دراما لبنانية، أجزم أن كثيرين سيقلدونها لاحقًا إذا أرادوا كتابة دراما محليَّة وأنه لا بد للتاريخ أن ينصفها إذا ما تحدثنا عن صُنَّاع فعليين للدراما اللبنانية.

أحببت الكاتبة والإنسانة كارين لدرجة أنني كنت أترقبها في أعمال أخرى، وقد أدهشتني في عمل “أم البنات” والنص لكلوديا مارشليان، والذي رأيته يشبه كارين كثيرًا، ولكن صرفتني عنها في الكتابة يومها السيدة وفاء طربيه في شخصيتها الاستثنائية فاكتفيت بالكتابة عنها وأنا المُقلُّ في الآونة الأخيرة بكتابة النقد الفني لألف سببٍ وسبب… وأهم ما كنت أترقبه أن أشاهد كارين على طبيعتها بعيدًا عن الدراما… لذلك تتبعت أخبار ظهورها في برنامج “بيت الكل” مع عادل كرم… وشاهدتها وجاءت الصدمة التي ما كنت لأتوقعها…

كارين.. هذه الكاتبة الناجحة، لا بل المتفوقة، وأعمالها مستمرة، وهي الواعدة بأكثر من عمل قريب في المقدمة “إنتِ مين” في رمضان المقبل، إخراج إيلي حبيب وبطولتها مع عمَّار شلق وآنجو ريحان (شريكتها في حلقة عادل كرم بيت الكل)، وكذلك لديها أكثر من عقد لأعمال أخرى… أقول ذلك لأسأل: أليس من المطلوب أن نرى امرأة لا تتسع لها الأرض وسط هذه النجاحات…؟

على العكس رأيت كارين حزينة حتى العضم، وصامتة حتى البكاء من القلب وفي القلب، لا بل رأيتها تبكي وهي تضحك، وتدمع وهي تبتسم… لماذا !!! لما هذا الحزن القاتل… أعلم أن شيئًا ما يجري على صعيدها العائلي لكن أتساءل: هل يستحق كل هذا الحزن؟ لن أطيل ولا أريد انتهاك خصوصيتها، بل استفزها للفرح وأتمنى لها فرحة توازي فرحتي وفرحة جمهورها بأعمالها… واكتفي.

Print Friendly, PDF & Email
Share