الموقع الأول للدراما والموسيقى العربية

رحيل رفيقة درب أحمد الزين

 

ننعيها ونعزي أنفسنا بها.

 

بعد معاناة طويلة مع المرض، ودَّع رفيق الدرب الفنان الكبير أحمد الزين زوجته وأم أولاده السيدة هدى أمس الأثنين، وكانت قد نُقلت إلى إحدى مستشفيات لبنان الكبرى قبل أربعة أيام لتسلم الروح إلى باريها وسط احتضان أسرتها وعدد من الأصدقاء…

أمواج التي تربطها بالفقيدة وزوجها علاقة طيِّبة لم تجد أهم من كلمة الزميل –الصديق جهاد أيوب وتعليق ابنها بلال  لنعي الفقيدة الطاهرة (الزوجة والأم الرائعة هدى حمام- الزين) وتعزية عائلتها (أحمد، حسن، كمال، بلال وزينة) ومحبيها وتعزية أنفسنا بها …

أميرة الأوجاع وبيلسان المحبة

 هدى حمام طوت أوراقها ورحلت

بقلم// جهاد أيوب

 

لم تسعفها الولادة كي تزيِّن أوراق الشجر برونق ضحكتها، ولم يسعفها ربيع العمر كي تعطيه زهر روحها الطيبة…ولم يستطع المرض أن يحاربها منذ اقتحامه جسدها…كان شرسًا في هجومه وهي في عز العطاء، وحاول خطف روحها فقاومته بزرع حديقة المحبة…

ذاك المرض الخبيث تبسَّمت له الأميرة هدى جميل حمام، تغنجت عليه بدلال الملكات العفيفات، وتصالحت معه حتى قدَّم رايته إلى مملكتها معاهدًا أن يسير معها إلى ذبول جسدها بعد أن تذبل زهور حديقتها!

سارت هدى مشوارها الطويل المُتعب من جراحات الصبر مع زوجها القدير أحمد الزين بكل محبة، ومتصالحة مع الحلم، ومع المقبل المبشر بالخير والعطاء لربما تتغير أحوال الزمن الصعب!

كانت مشرقة كلما زرناها، ترفض أن لا نتصادق، متصالحة مع ذاتها، وهذا أعطاها قيمة مشرقة في أن تتصالح مع كل العالم، مع أصدقاء الفنان، ومع من اعتقدت انهم من أهل الوفاء فبقيت أمينة على كل أسرارهم وبداياتهم وتحركاتهم وخبثناتهم وفضائحهم، ولم ترمِ الثرثرة على أجساد الضعفاء!

كانت تمتلك الكثير من الأسرار، وأجمل ما تمتلكه كان سر الصداقة…

كانت الأميرة هدى تُصرُّ أن تتصرف كحاكمة في مملكة المحبة، كأيقونة تهمس البسمة-الأمومة رغم سكاكين مرضها، وللحظة كدنا لا نصدِّق أوجاعها لكثرة ما تعطينا من محبة واهتمام!

كانت صورة من زنابق العطر، تهتم بأمورنا، تبحث عنَّا في زوايا قلبها الكبير، تُغرقنا بالحديث الجميل، ترفض أن لا نشاركها طعامها المصنوع من أناملها، وتحزن إذا أُصبنا بمكروه الأيام الصعبة…وأيامنا أصعب من الصعاب، من مصائب الصعاب…ربما هذا زاد من أوجاع داخلها فتاهت مع المرض إلى حدود الاستسلام!

قال لها الطبيب أن تتعالج من مرضٍ جديدٍ قد أصابها، ابتسمت، وأكملت بسمتها مع ضحكة عالية، وقالت:”ما عاد في مكان بجسدي يتقبَّل العلاج…”!

آخر لقاء جمعنا في قصرها بمنطقة خلدة-عرمون قامت بواجب السؤال عن ظروفنا، وقدَّمت الأطياب، وصرخت بحنان: “شراييني تنفجر”!

سالت الدماء، وسال قلب أحمد الزين بحنان الأطفال، وهجرتنا الابتسامة…أُُدخلت المستشفى…وكان الاستسلام.

توجعت كثيرًا، وناقشت مرضها النضالي طويلًا، وأهداها حقده الخناجر فقدمت له عطر بيلسان المحبة، خجل منها، ولم تشعره بأنها تفوقت عليه!

كانت هدى في كل لقاء تتجمَّل الشفاء، تُصرُّ أن تسقي الزرع بماء صبرها، وبتعب الانتظار، وبالأمل الذي وزعته علينا دون منة، ودون جميل، ودون غرور، ودون أن تشتكي من شيخوخة الفرج!

كانت هدى تسمعنا ونحن نتلو: عالمنا، مصائبنا، مشاكلنا، همومنا، لا تقبل بأنصاف الحلول، ولا بربع الكرم، بل تُصرّ أن تصغي بصلاة، وتقدِّم كل الحلول المبنية على المحبة أو الحسم، وتضيفنا من أطباق كرمها وأطيافه!

إذا لم يعجبها أحدهم لا تجرح، ولكنها لا تجالس، تنسحب بهدوء، ولا تشتكي منه!

عفوًا…ولا مرة سمعتها تشتكي، ولا مرة أضافت مشاكلها علينا، ولا مرة لم تكن أميرة كما كنا نناديها…

كانت هدى…!!!

ما أصعب “كانت”…كلمة بغيضة، جامدة، جاحدة في حضرة من كانت تزيِّن لحظات وجودنا…

وداعًا الأميرة هدى…لن يعد يخبرنا أحمد الزين عن الأميرة، عن أوجاع الأميرة خلسة، عن اهتمامها بالجميع إلا بمرضها…أحمد الزين الآن انكسر أضرار المحبة التي غمرتنا بها!

الأميرة هدى جميل حمام وداعًا…صعب رحيلك، والأصعب أن نبحث عنك ولا نجدِّد الأمل ولا نجدك… وأصعب الصعاب أن لا نتذكرك كلما استمعنا إلى أغنية الأسطورة صباح المفضَّلة لديكِ “ساعات ساعات” التي كنت تعتبرينها قصتك…!

أما بلال الإبن الأصغر (بين أشقائه) لهدى وأحمد

 فقال على صفحته الفايسبوكية:

أمي. إنّ هذا الكونَ كلُّه يتكوّر حول قدميكِ. وكل الأبجديات تتناثر حول حرفين: ألفٌ وميم. أمي. أيُّ الكلمات تنصفكِ؟ إن قلبَكِ لا يبحثُ عن الإنصاف؛ لأنكِ تعلمين أن لا حروفَ تكفي لإنصافك، ولا لغةً قادرةً على أن تصفَ هذا القلب العظيم. قلبك الذي بنبضهِ؛ تنبض حياةٌ بقلبي. أمي. يا مَن بعينيها أرى أمانًا ظننتُه فارق الحياة. يا مَن بينَ يديها تحتضنُ دفءًا مستثنَى، وعمرًا آخرًا أستمدّ منهُ السعادة. يا مَن بابتسامتها تشرقُ شمسٌ أخرى تملأ قلبي نورًا؛ كلما شعرتُ أن ظلامًا ما، يسكِنُ في صدري. أمي. إنكِ وأمام عينيَّ أشتاقُ إليكِ. وبينَ أحضانكِ وأحنُّ إليكِ. إني بدونكِ أهرمُ عشرينَ عامًا. والحياةَ من حولي تحيطها الشيخوخة. أمي. يا حبي الأول. إني أنام كل ليلةٍ داعيةً ألا أستيقظ بيومٍ خالٍ منكِ. داعيةً الله؛ أن يديمَكِ لي. أن أنام أيامي على شعورِ طمأنينةٍ يسكنني … بكل مرةٍ تقولين لي “تصبح على خير حبيبي يا بلال “

Print Friendly, PDF & Email
Share