الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

دعوة إلى عرس…. عبد الغني طليّس

في ديوانه الجديد “دعوة إلى عرس قيس وليلى”

 يلعب بنار القصائد

 يعشق كرجل ويقاتل كمحارب!

كتب وليد باريش:

…إذا كان المواطن العادي والمُحاصر بالأنظمة الملكيّة يحتاج إلى جواز سفر وتأشيرات للدخول إلى الوطن العربي، فإن القصائد الشعرية، خصوصاً الغزلية لم تحتج يوماً إلى ذلك في عبورها الحدود إلى القلب، وبقيت كما هي على مرّ الزمن عوامل توحيد ووحدة وذات صفة شعبية قائمة في التكوين الروحي للشاعر وفي تجربتها وإحساسها بالفن والجمال.01

عن دار النهضة العربية صدر كتاب الشاعر عبد الغني طليس الجديد “دعوة إلى عرس قيس وليلى” ويحمل على متنه عشر قصائد غزلية تبدأ بالقصيدة التي تحمل اسم الديوان مروراً بـ”شهوة تحت حنّاءِ” انتهاءاً بـ… “وأنا ربُّك أشكو ظلم عبادي”.

عبد الغني طليس وبعد دواوينه السابقة: “هيك بحب حبيبتي عام 1975، “صعد إلى حبه وقال” عام 1995، “ما تيّسر من عبد” 2010، “فوق رؤوس العالمين” عام 2013″، عاد من جديد ليقول على غلاف ديوانه:

هكذا

 دوري خروف

إنّما

كي يركبوني.. أكبروني

 قيل لي أنت الجواد

 ثورة أو عورة

في سنّةٍ في شيعةٍ

3 أم أصبع العفريت تلهو بالزناد

 قُل معي يا صاحبي

أقدم أبا النوّاس

ولنشرب معاً كأساً

على

هذي

البلاد.

1ولأنّه موجوع ويعبّر بقصائده المرتجلة عن عمق شعوره العربي وأحياناً “البعلبكي” وحاجته إلى الحرية والإبداع من خلال كلماته وطقوس غنائه عن سلوكه الإنساني الصعب وعواطفه وفلسفته فيقول في قصيدة: “دعوة إلى عرس قيس وليلى”:

نعم

أنني

لم أشتبه فيك لحظة

ولا دلني  وحيّ إليك

على لبس

لعلي تجاوزت الذي اعتدته

من المديح

وبي ما بالشياطين من بَأس

مغامرات في تلوين روحك

بالسُّهى

وجمّعت في كفيّك

من طيّب الغرس

وأعطيت رؤياك اتساعاً

2… إلى أن يقول في نهاية القصيدة.

أنا

 لو يعود الأمر لي

في مصيرهم

لقربتهم في عيش دنيا

وفي رمس

وزوّجت جولييت الحزينة روميو

وقدّمت ليلى في احتفال إلى قيس

ولوّنت عينيّها

بأشرس خضرة

وصالحت فيها الشرق والغرب

بالحس

الا فاسمعي

لا شيء في الحب رائع

كما الحضن5

بعد الضرب بالسيف والترس.

عبد الغني طليس ومن خلال طُرق تفكيره وموقفه تجاه ما يؤرقه في الحياة كشاعر، كإنسان، كمواطن، كعاشق دائم للحب والجمال والغربة والموت والاجتماع والسياسة وضع أمام عيّنيه وفي دائرة الاهتمام عاملاً مشتركاً وتوحيدياً لكل شعراء الأرض بحيث يأخذ مكان القلب والرئة والعين واللّسان، فيقول في قصيدة “دوري خروف” إلى الوطن العربي:

… على مرأى من الجمهور

والتصفيق

والرأس الذي من جُبنه اختار الحِياد

أقنعونا أنّه … هذا ربيع عربي

واثق الخطوة يمشي

في الجماهير التي كانت زرازيراً

وقد أضحت شواهيناً

لها صوت ورأي

4فاقتنعنا

واقتلعنا فكرة التأبيد والتثبيت

والإسراف في حب الجماد

غير أنا

ما وضعنا

باقة الأحرار

في ميزاننا

حتى رأيناها ملاكاً عارياً

من حوله قام المزاد.

مع شاعر من حجم عبد الغني طليس من المُستبعد الخوض في قصيدة تقوم على سلوك فردي تجاه فكرة معيّنة، حيث الكلمات الغاطسة بالشعر الشعبي السائد تقترب من الحوارات والمقابلات المحكية في صياغة الأوزان المسيّجة بالألحان والسهولة والعذوبة ما يطرب السامعين فيقول في قصيدة “شهوة تحت حناءِ”:05

أحبك

هل حبي نهاية عالم

تعوّد أن يعصي على أيّ انهاء؟

أحبك حتى

أطلع النجم راقصاً

وعند وصولي

ألف أهلا وسهلاً باغماء

فأحمل جرحي

من صباحي إلى المسا

إلى كلّ اصباحٍ عجيب وأمساءِ

وأعبر من باب إليك محصنٍ

لإخراج كالمسحور

من باب إيماءِ

فأصبح أنقى من دموع تنهّدت

بعينٍ

وغابت تستحي خلف لألاءِ.

مفاتيح الشاعر طليس متوجّين بها التعبيرات اللّفظيّة في حركة شعرية مستقلة ضمن القصيدة، يصدح بها ملّوناً في النغم ما يجعل هذا الفن من الشعر الغزلي يطغى على بساتين الموسيقى يسبقها ويحصد منها في ورشة البناء الدرامي للشكل،

فتصير هذه الأنواع من الكلمات الموزونة أقرب إلى القصة الغرامية الغزلية، تزيد في تجارب الشاعر وتُضيف إليه بنيّة الحبكة المنظومة التي تتناول الرحيل نحو الحبيب، الفخر، الشكوى وفي بعضها الرثاء لتنتهي الحكايا مع انتهاء السهرة الاحتفالية وروضة الحوار الداخلي الذي يكتمل مع شاعر متمكن من صنعته فيقول في قصيدة “وأنا ربُّك أشكو ظُلم عبادي”:

أحتاجك

من أجل كرامات الخبز

وأقلام الحبر

وعمرٍ

إذ يفقد من نعمته… نعمته

لا يفقد صبرا

أحتاجك

لا أحتاجك يا ربُّ لأقضم

من كروية هذي الأرض

ولا من

لؤلؤ تاج السلطان

ولا من

فرح العُشّاق

إذا ما وصلوا النّشوة

وابتكروا جمرا

إلى أن يقول:

لكن

من آدم حتى أصغر عصفورة

لم تتغيّر صورة ربى

والسر أُستبقى سراً

هذا هو عبد الغني طليس القصيدة عنده تحمل ألف وجه ما يزيد في المشهد الثقافي، وعندما يتجاوز الأمر يتحوّل هذا البعلبكي إلى عاشق مبتدئ يركض خلف حبيبة من ورق ولكنّه يبقى الرجل الذي حمل قصائده النارية ومشى كمحارب عتيق!!

Print Friendly, PDF & Email
Share