الموقع الأول للدراما والموسيقى العربية

حسام الصبّاح: الفنّ اليوم في زمن التسخيف

مقابلة

1

زمن السيقان الممشوقة والصدور العامرة

كتب وليد باريش:

… حتى اللّحظة وعلى كثرة ما عُرِض له من مسرحيّات ومسلسلات وأفلام سينمائيّة وندوات فنيّة إلا أنّه بقي لغزاً محيّراً بحاجة إلى حلّ وتحليل!2

المثير أن حسام الصبّاح ابن مدينة النبطيّة الذي جاء من الهواية إلى الاحتراف قال كلمته ليصبح مع الكبار على قمة المسرح المُلتزم بقضايا الوطن والناس وواصل مسيرته معترفاً أن قلقه هذه الأيام عظيم ودائم، ولذا يتمنى لكل عمل شارك فيه أو قام بكتابته وأخرجه أن يظل متألقاً، أن لا يمر عليه الزمن!

و… حسام الذي اكتشف ميّله إلى التمثيل وهو طالب في دار المعلمين، وما بين “نادي الشقيف” في النبطيّة و”اتحاد الشباب الديمقراطي” بدأ نجمه يلمع، وبسبب القصف الإسرائيلي على مدينته قصد بيروت لينتسب إلى معهد الفنون الجميلة حيث تعرّف على المخرجين يعقوب الشدراوي وروجيه عسّاف، ومع المخرج رئيف كرم ومشهور مصطفى ومهدي زعيتر ألّف فرقة “السندباد” التي قدّمت مسرحيّة “دشر قمرنا يا حوت”، ثم “رحلة السندباد الثامنة”، وإلى جانب رفيق علي أحمد، حنان الحاج على  وزياد أبو عيسى، قدّم مسرحيّة”جبران والقاعدة”، حيث لعب دور “خليل الكافر”الذي التصق به ورافقه هذا اللّقب طويلاً، عام 1983 شارك في الفيلم  اللّبنانيّ “بيروت اللّقاء” لبرهان علوية، “الانفجار”لرفيق الحجار، “المجازف” ليوسف شرف الدين، “المخطوف” لفؤاد الجوجو، وعام 1992 شارك في فيلم “ناجي العلي” من بطولة 3نور الشريف، وشارك تلفزيونياً “قناديل شعبيّة، قريش” وشارك أحمد الزين في مسرحيات “الطرطور، الشهيد ابن البلد”، لينتقل إلى الإخراج لمسرحية “الدبور” ثم كتب وأخرج مسرحيات “زمن الطرشان، رقصة المساء، مهر العرب”، وفي عام 2008 عاد إلى الخشبة ليلعب بطولة “حلم رجل مضحك” من إعداد طلال الدرجاني عن نص لـ”دستويفسكي” ثم شارك في “زمن الأوغاد، نورا، خلة وردة، الغالبون، قيامة البنادق،…” إلى جانب المئات من ساعات الدوبلاج لمسلسلات مكسيكيّة وكرتونية!

وعن المشهد الفني الحالي بشكل عام يقول حسام الصبّاح أنّه غير راضِ عمّا يشاهده وعندما جاء إلى التمثيل كان مدفوعاً بإحلام الأضواء والشهرة، ولكنها صارت اليوم مُضحكة بعد أن أصبح الممثل في هذا البلد يبحث عن مصادر أخرى تقيه العوّز وتؤمن له وللعائلة العيش المعقول وسط موجة الفنّ الهابط الذي يريده الإعلان الشرس ويحتضن الغناء والرقص على حساب موهبة التمثيل!

4هل أنت نادم؟ أسأله، فيجيب:

–               أنا حزين لأنني عندما دخلت الفنّ، فعلت ذلك لأثبت لنفسي أنني مميّز ولم أكن أعلم إلى أي مدى سوف يوصلني فنيّ، ولكن أهم ما في الموضوع هو أنّه جعلني اكتشف قيمتي كإنسان، لهذا لم أعد قادرا على تركه – بل أكثر من ذلك- فقد  سمحت له أن يقودني إلى حيث يشاء، وفي أدواري المسرحيّة أو التلفزيونيّة أحاول التعويض عن الغضب الداخلي في نفسي من كل الأمور لأن الدور يفرض عليّ الكثير مما هو ليس من طبعي، أنا في التمثيل بشكل عام أفرّغ شحنات عصبيّتي وغضبي وحزني وفرحي، ولكنني في الحياة العامة أنا إنسان هادئ وأناقش الآخرين بهدوء، لهذا أقول أن فني هو البوصلة وقد استطعت الإمساك بها جيداً لأنني مصرّ على الاستمرار، أمّا إلى أين سوف يأخذني الفنّ ؟ فأقول لا أعرف، فهذه رحلة ما تزال مستمرة ولا أحب أن أضع نهاية للرحلة التي أسعدتني وما تزال!5

ويتابع مخرج “موقعة عاشوراء في النبطيّة” عن اللحظة التي يتمنّى حذفها من حياته الفنيّة فيؤكّد أنّه لا يوجد أيّة لحظة يرغب بحذفها لأن كل لحظة من حياته هي جزء منه، وهو بشخصيّته الحاليّة محصّلة تجاربه، واللّحظات التي عاشها سواءً عنده كانت حلوة أو مرّة، خطأً أو صواباً، نجاحاً أو فشلاً فإنّ لديه دوماً الجرأة للاعتراف بأخطائه، وقد اعتاد على قلع الأشواك بيديّه ككل الزملاء، وسيستمر في إزالتها من طريقه لتستمر المسيرة إلى الأمام دون أن يسمح للنجوميّة أو الشهرة أن تأكل إنسانيته أو تحد منها، لهذا يحاول أن يعيش حياته بكل حريّة!

وعن غياب المسرح المُلتزم نهائياً وغياب أبطاله وروّاده يُجيب المخرج المسرحي حسام الصبّاح.

–          المسرحي البرازيلي “أوغوستو بوال” عرّف المسرح بالأنشودة الاحتفالية التي يشارك فيه شعب حر يغني في الهواء الطلق، فصار المسرح الملتزم يلعب دور المحرّك لأنّه يُشكّل مساحة المواجهة بين الفرد ومجتمعه حتى مع أولئك الذين اختاروا تجاهل العوامل الإجتماعيّة – السياسيّة والخارجيّة التي تؤثر مباشرة على تحديد بيئته ومن خلال حضور متفاعل للمشاهد الذي لا يكتفي بحضوره الفعلي إنّما يتحوّل 6وجوده إلى حضور فكري، هذا النوع من الوجود يُشكّل تدخلاً معززاً للقدرة على اتخاذ موقف اجتماعي – سياسي من خلال تحويل الفرد السلبي إلى فرد متفاعل ومُشارك، لهذه الأسباب اغتالوا المسرح المُلتزم ولم يمت تلقائياً ومن قتله هم الّذين يدعون إلى جنازته كل يوم من خلال المهازل المسرحيّة التي يقترفونها، والتي طغت على كل شاشاتنا ومطاعمنا ومقاهينا رافضين سياسة التنوير القائمة من خلاله لأنّهم ومن يقف خلفهم أرادوا منا أن نعيش زمن التسخيف وعسكرة الثقافة، خصوصاً وأن المسرح الجاد هو بمثابة قناة اتصال جماليّة ومعرفية تخاطب النخب الاجتماعيّة متفاوتة الإدراك بأسلوب” أيديولوجي “وينطلق لينسف الابتذال الذي يخاطب الغرائز، لهذا قضوا عليه واستبدلوه بسيقان ممشوقة وصدور عارمة وأرادونا أن نعيش بدون تفكير ووعي حيث عصر الجهل قد احتلنا في يومياتنا ومواقفنا وتفكيرنا وبرامجنا التلفزيونية !!!

 

 

Print Friendly, PDF & Email
Share