الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

بيار شمعون معظم البرامج الحواريّة تدعو إلى العهر

وجهة نظر:

 صار لكل منتج زمرته وشركته ومساوماته وكومبيناته

كتب وليد باريش:

4… يُظلم جيل الكوميديا النظيفة حين تُنسب إليه جميع الأخطاء الفنيّة في مجاله، في محاولة لهدر إمكاناته والتقليل من أهميته وقيمة وجوده، حيث صار هذا التعميم السلبي يصيب كل الطاقات المتمرسة بإضحاك الناس بالضرر البليغ!

بيار شمعون “واحد” من هذه المجموعة التي يجب أن يُطلق عليها لقب المحاربين وهو عنصر من العناصر التي ترفض أن تُثير الحساسيّات والمشاكل بالحديث عن الفلتان الفنيّ الكوميدي بشكل خاص، ولكنّه يشير إلى ظاهرة الشللّية الخطرة التي تُحِدّ من نجاح هذا النوع من الفنّ وتجعل أبطاله الأصليين محرومين من حقهم الطبيعي في الأدوار التي تناسب شخصياتهم، فالفنّ بنظره عمل نزيه وهادف ويسمو فوق كل العلاقات والمصالح الشخصيّة، فيؤكّد أن سبب نجاح الكثير من الأعمال الفنيّة العالميّة هي أن أصحابها يضعون مصلحة العمل فوق كل شيء، وبالتالي يبحثون عن الممثلين المناسبين ويتعاونون معهم!

لم يسكت بيار شمعون لأنّه من الصعب علينا تصوّر تلفزيوناتنا بدون صناعة الضحك، الاّ أن الواقع الفعلي يشهد على ذلك، فما نراه على مسارحنا وشاشاتنا من أعمال كوميديّة لا تشبهنا ومرفوضة أظهرت الفارق الكبير والتبايّن الرهيب بين مستوى ما يتم فرزه إلينا هذه الأيام وبين من حملوا لواء هذا الفنّ الصعب قديماً، ويأتي بيار شمعون ليؤكّد من خلال أعماله الكثيرة:” عمتي نجيبة، هريبة يا أوادم، بس مات وطن، تلاميذ آخر زمن، من الباب للباب، حماتي وعقلاتي، الأستاذ مندور، بسمة التخلي، حبيب ميرا، كاش فلو، ،  ع ارض الغجر‘ وغيرها…”، أنّه ليس ممثلاً هاوياً، ولم يأتِ من نجوميّة الشارع وطاولات المازات إلى نجوميّة البطولات المطلقة!1

عن الفوضى الفنيّة التي اكتسحتنا في منازلنا عبر شاشاتنا قال أنّه ضائع وسط هذه الهجمة المركّزة والفوضى، لدرجة أن كل ممثل وبقليل من المال يؤسس شركة ويُنتج لنفسه أفلاماً ومسلسلات، بمعنى آخر لم يعد هناك شركات منتجة تُعنى بالفنّ ككل وتُغربل الفنّان الحقيقي، لهذا فهو غير راضٍ عن الجو الفنيّ العام، ولا يشعر أن هناك من فنّانين في لبنان، ولكن هذا لا يشمل القِلّة من المُناضلين من أجل الفنّ الأصيل ولا يدري إذا كان باستطاعتهم الاستمرار والصمود وسط هذه المهازل!

وأكّد أنّه وبكل أسف صار لكل منتج زمرته وشركته ومساوماته و”كومبيناته” مما يجعل معظم الأعمال رهينة مزاجيته، فيفرض شروطه وأبطاله وخاصة بطلاته على الجمهور الذي لا حول له ولا قوّة، هذا ما يجعل الغالبيّة من الممثلين والممثلات عاطلة عن العمل بانتظار الفرج!

وعن البرامج الترفيهيّة قال بيار شمعون أنّه نادراً ما يُشارك فيها لأنّها أصبحت مُتشابهة ومُملّة وقائمة عليه وبعض الزملاء، يتصلون بهم أصحاب البرامج ويقولون لهم “حابينكن تكونوا معنا” يعني من باب الضحك على الذقون ولإملاء الشواغر في الجلسة والديكور، ويتساءل بيار لماذا الممثل السوري والمصري يدفعون له ليشارك في برامجهم، أمّا الممثل اللّبنانيّ ” بدو يجي ببلاش”!

3وللبرامج الحواريّة دورها في حالة الغضب عند بيار فيقول أن الكثير منها تُسيء إلى الذوق اللّبنانيّ وتدعو إلى العهر، أمّا الدراما اللّبنانيّة فقد لفت أنّها صارت جيدة في غالبيّتها رغم بعض الملاحظات عليها، ولكنّها بدأت تأخذ طريقها الصحيح وصارت منافسة رغم النقص الملحوظ في الإنتاج!

أما عن المسرح الكوميدي فأضاف أنّه يفتقد إلى روّاده حيث “الإنترنيت” والأركيلة والوجبات السريعة “الدليفري” تغلّبت على الثقافة والضحكة ، والمسرح بشكل عام الذي لا يملك سوى الكلمة سلاحاً يُدافع فيه عن وجوده هذه الظواهر شلّت مسارح الكوميديا التي برأيه أشرف وأرفع من مستوى الكثيرين والدخلاء على الوسط لأنّها تُعالج عاهات المجتمع، كما أكّد أن برنامج “بس مات وطن” هو البرنامج الأهم على صعيد النقد السياسي لأنّه لا يتضمّن “قفشات” فاضحة ومُسيئة للأدب والذوق العام كما نشاهد في معظم البرامج و”الشانسونيّه” التي تقوم على الكلمات البذيئة والفالتة والمثيرة لهذا فهو ليس مع ماريو باسيل ولا ميشال أبو سليمان رغم معرفته أن ميشال من أهضم الممثلين على صعيد سرعة الخاطر، وماريو فنّان ولكن عليه التنويع عما يقدّمه والتخفيف من المشاهد والحوارات التي تخدش العين والسمع!

وعن رأيّه في جورج خبّاز أجاب أنّه من الممثلين الذين يحملون رسالة لتقديمها إلى الجمهور إن كان من خلال مسرحه أو كتاباته التلفزيونيّة أو أعماله السينمائيّة وبالتالي يُقدّم أعمال كوميدية نظيفة على عكس ما نراه من برامج سياسيّة التي تحوّلت إلى محطّات هزلية تحمل الكثير من الفضائح والجرأة التي تؤدي إلى التوريط!

لهذا لم يسكت بيار شمعون!

كان من الممكن أن يسكت ولا يُثير أي ضجة لولا التميّز الذي يرافق حياته وأعماله والتألّق الذي يغلّفه وسط غابة من الجهل والسطحيّة والعهر والقرف تحت عنوان الكوميديا الواقعيّة!11

بيار شمعون هذا ” الكوميديان” المختلف عن الأجواء المحيطة بنا مسرحياً وتلفزيونياً وسينمائياً، ومصدر الاختلاف هذا نابع من الثقافة العالية التي يتمتع بها والسعي التلقائي نحوها في محاولة لزرع الضحكة في زمن داعش والتمديد والإفادات المدرسيّة وقوننة زراعة الحشيش والجهل المُسيطر على غالبيّة العالمين في هذا الفن، ليبدو كقبطان سفينة يعد بالكثير لتقديمه إلى المُشاهد رغم كثرة الأعمال التي نشاهدها لكنّها لم تؤهل عناصرها وأبطالها للخروج إلى المشاهدين بما يُفيدهم ويسليهم وبقيت أدوارهم وحواراتهم لا تتعدّى بعض المرضى بالأساليب الفالتة و”الحكي الفالت” والهلوسات، لهذا بقى بيار من الإستثناء الذي جعل القاعدة الأساسيّة في أدائه للأدوار هي الإطلالة المميّزة والثقافة العميقة والكوميديا النظيفة والروح المرحة والجسر الممتد في كل اتجاه فكان المعلّم في صنعته ونجاحه لم يكن نتيجة لحملات دعائيّة أو لإرتباط فنّه بأسماء معينة، بل لأنّه عرف كيف يجعل من أدائه طريقاً يدخل به إلى 2الواقعيّة الساخرة ويغوص فيها فنجح في تقديم نفسه لإدراكه أن التمثيل الكوميدي الصحيح هو الحالة الوحيدة التي يتقبّل فيها المُشاهد رسالة الكاتب، من هذا المنطق جعل من أعماله أحلاماً خفيفة الظل، لكنّها مُثقلة بالمعاني النبيلة والنقد البنّاء لكل المجتمع!!!

Print Friendly, PDF & Email
Share