الموقع الأول للدراما والموسيقى العربية

مسرحيّة “ويلن لأمة” لخضر علاء الدين

مُغامرة جريئة وخطوة ناقصة في الزمن الصعب!

كتب وليد باريش:


3… لعلّ أكثر ما يشدّ الإنتباه إلى المسرحيّة الجديدة “ويلن لأمّة” من توليفة وبطولة خضر علاء الدين بمشاركة أمال عفيش، خالد السيّد، جورج دياب، جمال حمدان، ملكة غطّاس، ناجي شامل، هشام أبو سليمان، فادي الرفاعي، ألسي دواليبي، سامي ضاهر، ضياء منصور، علي طحّان. على مسرح سينما ” الفرساي- الحمراء-” تتمثل في إكتنازها هذه المجموعة من الممثلين، وتلك اللّغة البصريّة المُتأتية عن حرفيتهم وإستعادة أجواء الراحل الكبير “شوشو”، خصوصاً بأسلوبية واضحة تعتمد على”كوميديا الموقف” حيث تتكرّر حكايات الشارع اللّبناني بسياسييه وتجاره والمستفيدين من أزماته المًتلاحقة وذلك في بنيّة بسيطة بعيدة عن التعقيد نشهد فيها إنتصار الحاجة على العنف وإستجابات الذات لأمزجة خاصة لبعض أصحاب السلطة بكل غرائزهم المُتقلّبة،  من خلال إستخدام مراكزهم الوظيفيّة التي توضح “تكتيكياً” بدعم إحساسنا بأن ثمّة قراءة عميقة شاملة موازية لأهميّة القضايا المطروحة بأبعاد أنسانية ملتصقة بالخط العام للعمل المسرحي وبفكرته التي تبدو بسيطة وسهلة وهينة ولكنها تكشف عن علاقات غير متوازية بين الواقع العام والمادة الفنيّة التي تلتقطه:

“شوشو (خضر علاء الدين) يتحضّر لإقامة عرسه على حبيبته زنوبيا (ألسي دواليبي)، فجأة تدخل عيادة والد شوشو طبيب الأسنان الدكتور صلاح (جمال حمدان)، المرأة اللّعوب (ملكة غطّاس)، الواقعة في غرام الدكتور وتحاول القيام بإغراء الدكتور، الذي يرفض الأمر تحت ذريعة أنّه يتحضّر لحفلة الزفاف، المرأة تعتقد أن العرس هو للدكتور فتبدأ بالصراخ وتمزيق ثيابها لإيهام الجميع أنّه اعتدى عليها، وتلجأ إلى “المخفر” لرفع دعوى تحرّش، يتحرّك الشاويش (خالد السيّد) للقبض على الدكتور الذي يفر من عيادته!

شوشو بالتعاون مع أجير والده (فادي الرفاعي) والنشّال (هشام أبو سليمان) يطلقون شائعة موت الطبيب!1

ومع تدخّل والد العروس شاكر (ناجي شامل) الذي يرتعد خوفاً من زوجته القويّة (أمال عفيش)، وتدخّل المحامي المتمرّن (جورج دياب) والخبير(سامي ضاهر)، تنكشف الحقيقة وتتنازل المرأة عن دعواها وتعود الأمور إلى مجراها الطبيعي بعد صعوبات متلاحقة نتيجة سوء الفهم والتقدير لحقيقة المشكلة!

لكل ما ذكرناه ولأسباب أخرى عديدة لها علاقة بأفكار النص، بدا كل أبطال العمل مُتحمّسين إنجازه بعد غياب قسري عن المسرح، وإذا كان هذا العمل يتناول الحدث الإجتماعيّ على خلفيّة الأحداث السياسيّة، الاّ أن الأمر الآخر اللاّفت للإنتباه هو أنّه لا يعطي بطولة مطلقة لأحد، بل تتوزّع على كلّ المتواجدين على المسرح، حتى بدا العمل أشبه بصورة حقيقية مقتطعة من الحياة بالنظر إلى إختلاف وتنوّع هذه الشخصيّات وهمومها وطموحاتها وإنتماءاتها!

و… مما لا شك فيه أن تجربة مسرحيّة “ويلن لأمّة” هي مُغامرة إنتاجيّة أولاً، وبالتالي هي مغامرة واسعة النطاق في توقيت عرضها، وهذه التجربة مما لا شك فيه فارسها الحقيقي خضر علاء الدين الذي يغيب لدهر ويظهر فجأة وبتركيبة جديدة جعلته للمرة الأولى كاتباً ومخرجاً، رغم غياب لعبة الإخراج نهائياً عن العمل والاستعاضة عنها بالاستعانة بأسماء تفهم جيداً حركة المسرح!

وفي ” ويلن لأمّة ” أيضاً حاول خضر علاء الدين أن يكتب مسرحاً يقترب في معظم صفاته من “المسرح الوطنيّ” بكل لهجاته الخطابية و”التنقير” على رجال السياسة والسلطة كما كان يجيدها والده الراحل شوشو، ومع هذا كان “خضر الكاتب” أقل قوّة من خضر الممثل، إذ أنّ خضر الممثل وبشخصيّة شوشو له حضور آسر، وإستطاع خلال أعمال مسرحية سابقة أن يكون الشخصيّة النابضة بالجمال الأدائي والجاذبيّة الغامرة، بينما خضر الكاتب المسرحي تعثّر كثيراً رغم ما عرفناه عن مد اليد من قبل بعض ممثليه لتقويم النص!

2وعلى الرغم من بساطة الحدث في العمل المسرحي، وما يلفت الإنتباه هو التعاون الفريد من نوعه بين الممثلين، الذين شاركوا في توليفة العمل المأخوذ من عدّة أعمال، وما يمكن أن ينتج من تمازج أفكارهم في سير المواقف والأحداث التي إقتربت بشكل ما إلى مسرح حسن علاء الدين (شوشو-الأب)، بكل تفاصيله ومفاتيحه وردات فعله، وما يفعله النص المشترك هو قراءة واضحة في بنية المجتمع من تلك المتغيرات والأحداث ومن خلال الديكور الواحد الذي هو بمفرداته المنتقاة درامياً يصلح لأن يكون نموذجاً لأي حي شعبي لبنانيّ، وفي هذا المكان تدور الأحداث ونعايش الشخصيّات بتفاوت ثقافاتها واختلاف مستويات معيشتها بالإضافة إلى التنوّع في تركيب الشخصيّات والطبائع!

كما قلنا المسرحيّة تطرح من خلال نصّها تساؤلات عن “طرق عيش” مختلفة ولا يتوانى النصّ الإجابة ومع هذا يترك الإحتمالات مفتوحة على النتائج التي يمكن أن تقودنا إليها بإنتظار الغد الغامض!

في “ويلن لأمّة” خطوة وإن كانت ناقصة، لكنّها يمكن أن تكون تمهيداً لخطوات أخرى أعمق وأكبر، إذا إقتنع خضر – ونحن نشك في ذلك – بالإستعانة بكاتب ومخرج مسرحي!

أما الممثلون فقد تجلّوا تماماً، كل واحد قدّم صورة نقيّة في إلتزام الفنّان وموهبته:

خضر علاء الدين: أبرز شخصيات العرض كفاءة ومقدرة على التعبير الحركي والإيمائيّ، وكان الشعلة الديناميكيّة المحركة لكل الأحداث وعلى دراية واعية بكل أدوات اللّعبة وتمكن من التفوّق على نفسه تجاه التراكيب الصعبة للشخصيّة!

أمــــــال عـفيش: نجمة متمكنة من أصول فن التمثيل ذات إحساس مرهف تكاملت مع الشخصيّة بوعي لكل خصائصها وكانت إنفعالاتها الداخليّة مفعمة بالمصداقيّة وأوصلت الهدف بشكل مميّز!

جمـــال حمــدان: ممثل واعٍ ودارس لكل سلوكيات الشخصيّة، بذل مجهوداً خارقاً في الأداء والتعبير عن المخزون الداخلي للشخصيّة وإنتزع إعجاب المشاهدين لمصداقيته وإحكام زمام الخيوط العديدة لجوانب الشخصيّة!

ملكة غطــّـــاس: تعاملت مع الشخصيّة في مراوحة بين الأداء الكاريكاتوريّ والأداء الكوميدي ونجحت في بعض الحالات للأداء الــ”Over” ومع هذا كانت على مستوى المسؤوليّة بحيث أظهرت وحققت كل أهداف الشخصيّة اللّعوب!

خــالد الســـيّـد: عرفناه ممثلاً كوميدياً متميزاً، وسبق له تحقيق نجاحات كثيرة في هذا المضمار، وهنا نجده في ثوب “الشاويش المرتشي” يقدمه كفنّان مُخضرم قادر على إمتلاك مساحة المسرح!

نـاجي شــامل: ممثل صاحب خبرة وتمرس واستطاع تقديم لونٍ جديدٍ أبرز فيه إبداعاته الفنيّة الشاملة أدائياً وتعبيرياً!11

جورج ديــاب:  في دور المحامي المتمرّن إمتلك حساً مميزاً ودون إستعراض عضلات في تلّوين مشهده الوحيد وترك بصماته الواضحة على سير المسرحيّة بإيقاعه الهادي!

هشام أبو سليمان:ترك بصمة واضحة ومميّزة بنضجه الفنيّ وتحمّل عبء تقديم البسمة من خلال النشّال الظريف!

فادي الرفـــاعي: ممثل متمكّن ذو حيوية متدفقة وقدرة على الأداء الكوميدي وإستطاع أن يسرق الضحكة من أفواه المشاهدين!

ســامي ضاهــر: ممثل متمرّس في المسرح وأجاد بإيصال الشخصيّة في حدود الإطار الممنوح له مستغلاً خبرته وإمكاناته!

ألســي دواليبي:  زنوبيا، ممثلة واعدة ذات حيوية متدفقة وقدرة على الأداء!

“ويلن لأمّة”:

              تنفيذ الديكور : عبد الرحمن طه

           تنفيذ الإضاءة: محمد الزول

           الماكيـــاج    : فادي س .إبراهيم

           مدير الغرفة  : خالد السيّد!!!

Print Friendly, PDF & Email
Share