طموحنا أن نتحول إلى منبر نقاش لبناني-عربي

مزج عُقدتي أُوديب بإلكترا في رسالة حب

وجهة نظر:

في مسرحية  الأسباني فرناندو أرابل

رولا حمادة إمرأة إخترقت أوجاع نساء الأرض!

كتب وليد باريش:

1… في “بروشور” العمل المسرحي الجديد ” رسالة حب” المأخوذ عن الكاتب الإسباني “فرناندو أرابل” يلخّص المُعدّ والمخرج أنطوان الأشقر النص الذي قام “بلبننته” كاتباً:

“بعد سنين طويلة، تصل رسالة لأم من إبنها في يوم عيد ميلادها، إنها الحرب الأهليّة الإسبانية التي فرّقت بينهما، الوالد كان قد قُبٍض عليه سنة 1939، لاحقاً الإبن يكتشف الظروف المأسويّة والغامضة لإعتقاله، فيساوره الشّك بأن أمّه قد تكون هي المسؤولة عن إختفائه، سنوات من المرارة والملامة وتبريرات دون جدوى، ها أن “فرناندوأرابال”يكتب رسالة الحب هذه محاولاً إعادة الإتصال مع الماضي!

 يستحضر الكاتب من خلال الحقيقة والوهم قصة شعب فرّقته الحرب الأهليّة، الحرب التي أينما كانت نتذكّرها، ولكن هل نستطيع أن نطوي الصفحة؟!”

“رسالة حب” تندرج تحت نوعيّة الأعمال المسرحية التي تنطلق من حدث قديم ولكنّه قادر على تجاوز زمنه ومرحلته للدلالة على معنى واسع أو قيمة عامة لا يرتبطان بتوقيت الحدث نفسه، وفيه المواقف المفخخة القادرة على تفجير أكبر قدر من الإثارة رغم شخصياتها الذهنية لأبعد حدود، ومثل هذه الصفات وإن كانت لا تتلاءم والشكل المسرحي فقد حوّلها الأشقر بمهارة إلى شخصيات حية وليست مجرد رموز وخرطشات على الورق، بل تسير على أقدامها بحيث صنع عملاً قابلاً لأن يستمر ويعبّر عن أي مرحلة يحلم فيها الأنسان بالإنفراج من الخارج، وليس فقط حلم الإنسان الإسباني أو العربي الذي ينتظر من يأتيه من الخارج لكي يحل له مشاكله، ومع هذا بقي يعيش في حلمه وفي عنق الزجاجة الواقعة في الوهم!2

الذي نفهمه جيداً أن نص فرناندو ترجم الحلم الإسباني، والمعد والمخرج الأشقر لم يتحفظ عما جاء في النص الأصلي ولكنه دفعه إلى المسرح بكل مفاهيم مفرداته الخاصة فقدّم “رسالة حب” بشكل فيه “الكوميديا السوداء” والحس ” الكاريكاتوري” ومزج عُقدتي “أُوديب بإلكترا” ليجعل المُشاهد أكثر إقتراباً وإلتصاقاً بواقع العلاقة المحرّمة ويرتفع فوق الواقع حتى لا يبدو مغرقاً في الواقعيّة الصادمة، وبهذا طرح عالماً قائماً على الجدل ونمط حياة كلّها جدل وإنسانها أينما كان ووُجِد هو حالة جدلية وليس “ميتافيزيقية” حيث يستطيع بشيء من الوعي المفترض أن يتحكم في سير علاقاته الإجتماعية التي يتصدى لها!

إن أول ملاحظة يمكن أن تلفت الإنتباه إليها هي أن النص المسرحي القاسي والمدمر جاء مملوءاً بالأحداث إلى درجة جعلتنا وطوال 45 دقيقة في حالة توتر مستمرة وإنشداد ووجع وتعب، والأهم أنه جاء متوازياً في قدرات أبطاله: رولا حمادة وإبنها جاد خاطر بكل توتراتهما وهواجسهما وعلاقتهما المشتعلة والغاضبة والصامتة والمتداخلة ببعضها البعض والتي لامست خط العلاقة المحرمة الأحمر بكل فواصله ولمساته وشغفه ومشتقاته الدرامية المتفرّعة والتي بناها وحركها المُلبنن- المخرج على” مسرح مونو” بكل جدارة!

تماماً كما يحدث مع فئران التجارب يأتي المخرج ببطليّه، يضعهما في ظروف قاسية غريبة وغير طبيعية ليرصد ردود أفعالهما داخل مصيدة شديدة الإحكام ومعزولة عن الحياة، فيحاول كل منهما مداراة التناقضات الكامنة لديه في محاولة جدّية لإقناعنا بصدق أدائه وصدق شخصياته المختلفة والمزيفة التي تبرهن انصهاره التام بين صفحات الورق وتلك الشخصيات الحيّة المُنساقة بعمى تام وكامل بين ماضيهما وحاضرهما!3

رولا حمادة أحبّت النص لهذا تألّقت وأكّدت أنها ممثلة ناضجة من طراز رفيع وأن موهبتها المميزة جداً فرضت على المسرح جواً ملحمياً سردياً من خلال حركتها وتقاسيمها التناغمية وإنفعالاتها وروايتها للصوّر المخزونة في ذاكرتها المريضة، واسترجاعها للماضي بكل تفاصيله المحزنة والمفرحة، والتي عبّرت عنها بكل جزء من وجهها وجسدها وإحساسها فبدت في قمة التفاعل مع شخصيّة الأم المشتاقة لإبنها وشخصية المرأة المدفونة فيها والمضطربة والقامعة والمقموعة والظالمة والمظلومة، والقاسية والحنونة والشريفة والداعرة وأخيراً المريضة التي أُدخلت إلى مأوى للعجّز!

جاد خاطر الوافد الجديد أكّد لنا أنّه قادر على فرض إسمه في جدول الممثلين الناجحين وأبدع في لعب شخصية الإبن بكل أضدادها وفي مختلف مراحلها التي مرّ بها من الطيبة إلى الشراسة وصولاً للشغف الجامح لإقامة علاقة محرّمة مع أمّه حتى الإنتقام والهزيمة والإقتناع بخيبة الأمل!

“رسالة حب” وبصرف النظر عن الشد العصبي الذي رافقنا طوال العمل وإختياره “الجاد” لقضية ملحّة وشائكة تتعلّق بموروثاتنا الاّ أننا لم نفهم كيف وماذا أراد أنطوان الأشقر من مفهوم كلمة “لبننة” حيث لم نسمع ولم نشاهد أية كلمة تدل على لبنانيتها ومناخها واسقاطاتهاعلى الوضع اللبنانى عدا الحوارات المستخدمة؟!

                                                                             

Print Friendly, PDF & Email
Share