الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

قلب الأم وعبرة أول محرم

لماذا أبكي اليوم الأوّل من المحرّم الحرام.؟

 ====================

الكاتب الإماراتي أحمد إبراهيم

====================

في مثل هذا اليوم من كل عام، ومنذ 1435 سنة .. تُضاءُ شمعة فرح في كلّ بيت محرابه إلى الدُّنى نحو البيت العتيق القديم .. وفي كلّ قلب نبضاته إلى العُلى نحو العرش العظيم ..  وأنا بيتي للبيت العتيق يفديه بالمكان والمكين  والزمان ..1

ولكنّي ..! ومنذ ثماني سنوات، ورغم فرحة ميلاد الهجري المبارك في بيتي وفي قلبي من أب عن جد .. إلاّ أنني .. ومنذ عام 2006 صرتُ أباكيه هذا اليوم بالذات  وهو يباكيني أنا بالذات.!

توفّيت والدتي رحمها الله قبل ثمانية أعوام، يوم الأول من المحرّم الحرام عام 2006، وأستسمح اليوم الصفحات القيّمة لصحيفة “أمواج” الغرّاء، ومعها القرّاء الأعزّاء على مساحة قصيرة باسم الأم التي فارقت حياتها ولم تفارق حياتي.. إذ لامساحة لأمّي مهما كانت هى .. ولكن كل المساحات للأم أينما كانت هى.

أطال الله في أعمار أمهاتكم أحبّتي..!

ولكن من افتقد أمه مثلي يوافقني رأياً إن الأم شجرةٌ خضراء مثمرة، تبقى “ثامرة” بأزهارها، بأغصانها بأوراقها، تبقى ولا تفنى .. والأثمار هي الأخرى تبقى بلابل تغرّد للأم فوق رأسها، فوق نعشها، وفوق لحدها، ويتيم الأم يبقى يناجي أمه ولو رضيعاً بـ:(أين اللبن؟) ، او عجوزا بـ:(أين الكفن.!) ..

يبقى مراهقاً خمسينياً أو سبعينياً يترصّد خلف الباب، قد تفتحه يدٌ يعرفها تعرفه بحسرات:

(أمّاه ألا تأتيني.؟ .. وأقول للموت دونك يأتيني؟ .. ولا يأتيني.!)

عام 2006 كانت لحيتي غابةً سوداء لا يسكنها غبار البياض بالإيجار ولا التمليك، ولم تقتحمها شعرةٌ بيضاء بالزيارة أو الترانزيت.! لكن زوجتي تقول “أنت رجعت بعد الدفن من المقبرة بلحية مغبّرة، فضفضتها لك باليدين ولم تنفع ولا المنشف تكفّل بإزالة الجليد، إنه غزو البياض لمراهق عجوز كان يريد الهرولة في فناء البيت وبين الغرف اعتادت أمك ان تناجي ربها بالتهجّد والتراتيل، وأنت تذرف الدموع اليوم  تناجيها (وينيج يايُمّة وينيج.!)

الأمُّ المدرسة، هى تلك التي روّضتك على حب كل الأمهات، من أم القرى إلى أم المؤمنين، ومن أم القرآن إلى الأمّ الوطن .. هنا تحضرني أسطورة يقال انها حقيقية عن أخطر لصّ في القارة الآسيوية، ذاع صيته وأشتهر بإسم (سلطانة داكو) في الأربيعينات أوالخمسينيات وعملت فيه روايات وأفلام، بأنه من أخطر اللصوص المهرة بعصاباته المنظمة في الجبال والوديان بالقارة الهندية، أعجزت الجيش والشرطة والعساكر لما يزيد على عشرين سنة، ويوم قُبض عليه وأقتيد إلى حبل المشنقة، سألته المحكمة عن آخر أمنية قد تحققها له قبل الشنق؟

فقال أحضروا لي أمي هنا في القاعة،  وسأحدد طلبي .. وحضرت،  فطلب أن يقبل لسانها، ولما مددته قصَّه بأسنانه  وعندما سُئل عن السبب قال:2

–         كنت في الخامسة من عمري، يوم سرقت أول بيضة من بيت الجيران، فقالت لي أمي “برافو ياولد”..!….

أمّأه لا أنسى “زعلك” منيّ إذا أخرت صلاة الفجر نوماُ، وصراخك في وجهي إذا انشغلت بالدنيا وتركتها يوما، وإرضاعك في أحشائي حب الدين الإسلام، وحب الوطن من

الإيمان… حقاً أنها باقات الأمومة ظلت معي في سفينة الحياة، ويبقى يضوع شذاها ويفوح عبيرها أينما كانت للسفينة مجراها ومُرساها.  وكما أن الأم المدفونة تحت التراب لم تمت عن نبضات قلوبنا الأحياء، كذلك قلبها لم يمت عن الدعاء لإبنها البار وإبنتها الصالحة ..

أوافق الشاعر العربي ابراهيم منذر الذي رسم نبضات قلب الأم الميتة حيّاُ يرتجز لإبنها الذي شقّ قلبها بالخنجر للمال والجوهر:

أغرى امرؤٌ يوماً غُلاماً جاهلاً
بنقوده حتى ينال به الوطرْ

قال : ائتني بفؤادِ أمك يا فتى
ولك الدراهمُ والجواهر والدررْ

فمضى وأغرز خنجراً في صدرها
والقلبُ أخرجهُ وعاد على الأثرْ

لكنه من فرطِ سُرعته هوى
فتدحرج القلبُ المُعَفَّرُ إذا عثرْ

ناداه قلبُ الأمِ وهو مُعفَّـرٌ :
ولدي ، حبيبي ، هل أصابك من ضررْ ؟

فكأن هذا الصوتَ رُغْمَ حُنُوِّهِ
غَضَبُ السماء على الوليد قد انهمرْ

ورأى فظيع جنايةٍ لم يأتها
أحدٌ سواهُ مُنْذُ تاريخِ البشرْ

وارتد نحو القلبِ يغسلهُ بما
فاضتْ به عيناهُ من سيلِ العِبرْ

ويقول : يا قلبُ انتقم مني ولا
تغفرْ ، فإن جريمتي لا تُغتفرْ

واستلَّ خنجرهُ ليطعنَ صدرهُ
طعناً سيبقى عبرةً لمن اعتبرْ

ناداه قلبُ الأمِّ : كُفَّ يداً ولا
تذبح فؤادي مــرتــيــن ِ عـــلـــى الأثـرْ

أطال الله في أعمار أمهاتكم الاحياء .. وتغمد أرواح الأموات بالرحمة والرضوان

ولمن إفتقد أمه الصبر والسلوان

 

Print Friendly, PDF & Email
Share