الموقع المتقدِّم للدراما والموسيقى العربية

فيلم “حبة لولو” لليال راجحة/ عرى مجتمعاً لبنانياً خرج من حربه الأهليّة مهزوماً

سينما

مستوى رفيع في الأداء التمثيلي لكل طاقم العمل

2

كتب وليد باريش:

… “حبة لولو “، ربما أرادت المخرجة ليال راجحة بهذا العنوان أن تلخّص مضمون فيلمها الذي كتبته مع وسام راجحة وتعطيه حقه!

و… ربما بهذه المغامرة أرادت تقديم عملٍ سينمائيٍ مكتملٍ وبسيطٍ في حبكته وفي عناصر صراعه، ولكنه واضح في طروحاته ودلالات وأبعاد الصراعات الدرامية التي تنسج الأحداث اليوميّة الثقيلة خيوطه!

و… ربما أرادت عرضاً أسودَ لمقدمات هذا الصراع ولنتائجه ولتحوّل الشخصيات فيه وفق تفاعلها مع الحدث والظرف الزماني – المكاني الذي يحيط بها بكل تبدلاته، ليصل بنا إلى العقدة التي تكمن في إعتراف الأم “فاتن عبدالله” – تقلا شمعون، بقصة اغتصابها من قبل أحد المسلحين “الميليشياويّن” أثناء الأحداث اللبنانيّة وحملها منه ورفضها عملية الإجهاض والإكتفاء بتربية ثمرة الاغتصاب “ليال” – زينة مكي، التي تتعلّم على يد والدتها لأنها لا تستطيع دخول أي مدرسة، كونها لا تمتلك بطاقة هويّة، والتي تحترف الكذب المُقنع و”دعارة فنادق الخمس نجوم”!

1في إطار الحكاية يقدم فيلم “حبة لولو” ملامح أم قويّة تعيش من صناعة العطور في منزلها برفقة ابنتها “ليال” وصديقتها “حلا”- لورين قديح، عاهرة الطرقات والشوارع وسيارات التاكسي الرخيصة!

صدفة تتعرّف “ليال” على “كريم”- إيلي متري، وهو رجل أعمال جاء إلى لبنان بعد غيبة طويلة في أميركا والمتزوّج مدنياً من أمريكية تخونه مع صديقها ويرفض فكرة طلاقها لأنها ستحصل على نصف أملاكه وثروته!

وكما تعوّدت “ليال” تبدأ معه حملة أكاذيبها ولكن بدون أن تخطط للأمر تقع في غرامه!

بدوره “كريم” يقع في غرامها ولكن تدخّل صديق والده – طوني مهنّا، على الخط يكشف له تفاصيل حياتها وحياة والدتها، فيعود إلى أمريكا ليترك ليال تعيش أحزانها وثورتها منفردة!

على المقلب الآخر “حلا”، وأثناء مغامرة طائشة من مغامراتها الداعرة مع أحد زبائنها تحمل منه، فتستغل هذا الحمل والشريط المصوّر لهذه الواقعة للحصول على المال لإفتتاح محل تجاري لبيع العطور تقوم بإدارته صديقتها “فاتن”، وبالتالي تقرّر الإحتفاظ بالطفل!

فجأة تقرّر التوبة والرجوع عن طريق الخطيئة، وعند الولادة تموت تاركة خلفها طفلها لتقوم بتربيته “فاتن”، بدوره “كريم” يعود ليطلب الزواج من “ليال”، وسط تهديد الجار “المعلم فارس”ـ نزيه يوسف، الواقع في غرام “فاتن” لتسقط كلمة النهاية!

كلمة حق تقال، نجحت ليال في تقديم ضربات إخراجية رفعت مستوى السيناريو إلى موقع القيمة السينمائية المعقولة والمفقودة في أفلام كثيرة من هذه النوعيّة، وما ساعد هذه المخرجة على النجاح ممثلوها بتقمصهم أدوارهم بدقة متناهية ضمن إطار “سينوغرافي” تحرّكت على مساحته الكاميرا بحريّة توجّه النقد القاتل لأسياد الحرب اللبنانية التي كشفت عورات المجتمع اللبناني، على مستوى التركيبة النفسية لأفراده من حيث يظهرون وهم يتاجرون بكل شيئ حتى أجسادهم وأعراضهم، فالمادة الدرامية للفيلم قوية حيث تقوم عليها مجموعة من الشخصيات المتنافرة ولكنها ضمن الحلقة الواحدة مُتشبعة الإتجاهات، كل يسعى لتكريس فرديته، من هنا نجحت ليال مرّة جديدة في إختيار الأبطال: تقلا شمعون وزينة مكي ولورين قديح وإيلي متري ونزيه يوسف، وصناعة الأبعاد الدرامية لكل واحد منهم، كما نجحت بتوليد الشخصيات التي جاءت جادة وغير مهزوزة ما أعطى “حبة لولو” المستوى المرتفع على جميع مستوياته الإخراجية والتمثيلية، من حيث حركة التصوير خلال الحوارات والإنفعالات، فجاءت اللقطات مُشبعة بالإحاسيس الأنسانية المطلوبة!

بصدق نقول، قليلة جداً ونادرة تلك الأفلام اللبنانيّة التي تحمل في داخلها سحرها الخاص، من هنا يقف فيلم “حبة لولو” بين هذه الأفلام القليلة، لأنه يملك العديد من المقومّات فأتى قوياً ومتدفقاً ومفعماً بالحيوية منذ لقطاته الأولى مبرزاً موهبة المخرجة وإمكانات أبطاله!3

وفي الفيلم نتابع المستوى الرفيع وبدون مبالغة في الأداء التمثيلي لكل طاقم العمل :

–         تقلا شمعون كانت كعادتها حاضرة ونجمة في شخصية جديدة لا ينقصها التفاصيل التي تعطي الشخصيات الدرامية القوية والمقهورة نكهة خاصة.

–         زينة مكي قادرة على لفت النظر لحيوية أدائها وعفويتها في ردود أفعالها تجاه الأحداث الكبيرة.

–         لورين قديح أثبتت بهدوء حضورها الجميل جداً وامتلاكها أبجديّات الكوميديا النظيفة الخالية من التهريج وخلفيات الشخصية الخطيرة التي تؤديها بكل تماسك وقوّة، فبدت متوهّجة بالمشاعر التي تنم في كل ما يصدر عنها عن فطنة وذكاء ومقدرة على تحريك الآخرين بلا إفتعال.

–         نزيه يوسف إستطاع أن يقدم نموذجاً خاصاً لشخصية “الدكنجي” فارس المغروم بجارته وأن يكون مجتهداً في ضبط تفاصيلها.

–         إيلي متري نجح في اللعب على أوتار شخصية “كريم” ليكشف لنا وللمرّة الأولى عن قدرات جديدة في أداء دور يعتمد على الملامح الداخلية في أغلبها، ولكنها تفرض نفسها من خلال سلوكياتها وتفاعلها مع الآخرين ولها القدرة على المسامحة ونسيان الخطايا الموجعة.

أخيراً في “حبة لولو” أستمدت المخرجة كل مفردات اللّغة السينمائية وإمكانياتها  في تقديم مشهد النهاية الذي جاء مفعماً بالحيوية واللمسات الإنسانية والتحولات الدرامية، خصوصاً عندما سلطت الكاميرا على تقلا شمعون وهي تحتضن بكل دفء طفل خطيئة لورين، بينما وقف نزيه يوسف يراقب بكل حنان حبيبته وهي تنظر بكل دفء إلى إبنتها زينة وهي بين أحضان حبيبها إيلي!

“حبة لولو” عنوان يُعبّر عن حقيقة الفيلم وجوهره ويستحق المشاهدة والمناقشة  ونجاحه أنّه يطرح قضايا صعبة وعويصة وأفكاراً معاكسة لنمطيّة التفكير في مجتمع خرج من حرب أهلية مهزوماً!

Print Friendly, PDF & Email
Share